إبراهيم عمران يكتب :الجامعات لا تنهض بالمجاملات.. اختاروا الأكفأ عمداء للكليات»

الخميس 5 نوفمبر, 2026

يا وزير التعليم العالي، إذا كنا جادين في إصلاح التعليم الجامعي، وبناء جامعات قادرة على المنافسة ومواكبة التطورات العالمية، فعلينا أن نبدأ من الأساس الصحيح، وهو حسن اختيار القيادات الجامعية، وفي مقدمتها عمداء الكليات. فلا يمكن أن نتحدث عن تطوير التعليم والبحث العلمي والتحول الرقمي وربط الخريجين بسوق العمل، دون أن نضمن وصول الشخص الأكفأ والأجدر إلى موقع المسؤولية.
إن اختيار عميد الكلية ليس إجراءً إداريًا عابرًا، ولا منصبًا يمنح للمجاملة أو مكافأة على سنوات الخدمة، وإنما مسؤولية كبرى تتطلب قيادة تمتلك العلم والخبرة والرؤية والقدرة على التطوير. فالكلية مؤسسة أكاديمية واقتصادية ومجتمعية، تحتاج إلى عميد يستطيع قراءة المستقبل، ووضع استراتيجية واضحة للنهوض بها، وليس مجرد مسؤول يكتفي بتسيير الأعمال اليومية والحفاظ على الأوضاع القائمة.
ومن هنا، نضع أمام وزير التعليم العالي سؤالًا مهمًا: هل تخضع اختيارات عمداء الكليات لمعايير موضوعية معلنة تضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين، أم أن هناك مساحة لاجتهادات قد تفتح الباب أمام المجاملات والاعتبارات الشخصية؟ إن المطلوب هو حسم هذه المسألة من خلال منظومة اختيار شفافة، لا تترك مجالًا للشك في نزاهة المفاضلة أو عدالة نتائجها.
والأهم ألا ينفرد رئيس الجامعة بتوجيه عملية الاختيار أو التأثير في نتائجها، وألا تتحول سلطاته إلى أداة لترجيح مرشح على آخر دون سند موضوعي. فدوره يجب أن يمارس في إطار القواعد القانونية والمؤسسية، مع وجود لجنة تقييم مستقلة، ومعايير معلنة، ومفاضلة حقيقية تستند إلى الكفاءة والإنجاز والقدرة على القيادة. فالمنصب الجامعي ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز أن يخضع لحسابات شخصية على حساب مصلحة الكلية.
نريد عميدًا يمتلك رؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ، ويستطيع تطوير البرامج الدراسية واستحداث تخصصات جديدة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وتواكب الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وتربط الدراسة بالتطبيق، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الطلاب للحصول على فرص عمل حقيقية. كما نريد قيادة قادرة على تعزيز التعاون مع مؤسسات الإنتاج والصناعة، وتطوير البحث العلمي، وتحويل مخرجاته إلى مشروعات وتطبيقات تخدم الاقتصاد الوطني.
ولا بد أن يكون تطوير الموارد المالية للكلية جزءًا أساسيًا من خطة المرشح، من خلال تنويع مصادر الدخل، والتوسع في البرامج المتميزة، والتعليم المستمر، والاستشارات العلمية والبحوث التطبيقية، وحسن استثمار الإمكانات المتاحة، بما يدعم استقلالية الكلية وقدرتها على التطوير دون الإخلال برسالتها التعليمية.
كما يجب ألا تقتصر المفاضلة على الأبحاث العلمية أو الأقدمية وحدهما، وإنما تشمل الكفاءة الإدارية، والقدرة على إدارة الأزمات، وحسن استثمار الموارد البشرية، والتواصل مع أعضاء هيئة التدريس والطلاب، فضلًا عن مراجعة السجل الوظيفي والإداري للمرشحين، والتحقق من عدم وجود مخالفات مالية أو إدارية جسيمة ثبتت بحقهم بقرارات نهائية، بما يضمن تولي المسؤولية لمن تتوافر فيهم شروط النزاهة والانضباط.
يا سيادة الوزير، إن اختيار العميد يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمحاسبة جادة على ما يحققه من نتائج. ومن الضروري أن يقدم كل مرشح برنامجًا واضحًا بأهداف قابلة للقياس، وأن يخضع الأداء لمراجعة دورية، حتى لا تتحول المناصب القيادية إلى مواقع إدارية بعيدة عن التقييم والمساءلة.
إن الجامعات لا تنهض بتغيير الأشخاص أو تدوير المناصب، وإنما باختيار القيادات القادرة على إحداث فارق حقيقي. ومن غير المقبول أن تتراجع الكفاءات أو تضيق أمامها فرص المنافسة بسبب اعتبارات لا تتصل بالجدارة والاستحقاق.
إننا نطالب وزير التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات بمراجعة منظومة اختيار عمداء الكليات، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وضمان استقلالية التقييم وشفافيته، وإعلاء المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى.
فالكليات ليست ملكًا لأحد، ومناصبها ليست امتيازات شخصية، وإنما مسؤوليات وطنية. والرسالة الأهم أن من يتولى قيادة كلية يجب أن يكون الأقدر على تطويرها، لا الأكثر حظًا في الوصول إلى المنصب. فإصلاح التعليم يبدأ من اختيار قياداته على أساس الكفاءة وحدها، لا المجاملة أو العلاقات.