إبراهيم عمران يكتب :من ينصف علماء الجامعات؟.. حين تتراجع الكفاءة عن مقاعد القيادة!
الثلاثاء 3 نوفمبر, 2026ليست أزمة الجامعات المصرية في نقص العلماء أو أصحاب الخبرات، فمصر تمتلك من العقول الأكاديمية والكفاءات العلمية ما يؤهلها لبناء منظومة تعليمية وبحثية تنافس كبرى الجامعات العالمية، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بقوة: هل يحصل أصحاب الكفاءة فعلًا على الفرص التي يستحقونها؟ وهل تقوم اختيارات القيادات الجامعية على العلم والخبرة والإنجاز، أم أن هناك اعتبارات أخرى قد تتقدم أحيانًا على معايير التميز والاستحقاق؟
المؤلم أن نجد أساتذة جامعات وعلماء وأعضاء هيئة تدريس يمتلكون خبرات علمية وبحثية وإدارية كبيرة، وأمضوا سنوات طويلة في خدمة مؤسساتهم، لكنهم يظلون بعيدين عن مواقع صنع القرار، بينما يتقدم إلى واجهة المشهد الجامعي أشخاص قد لا تتناسب خبراتهم وإنجازاتهم بالضرورة مع حجم المسؤوليات التي يتولونها. وهنا لا نتحدث عن أشخاص بأسمائهم، ولا نصدر أحكامًا على اختيارات بعينها، وإنما نطرح قضية تستحق المراجعة والتقييم: أين موقع الكفاءة في معادلة اختيار القيادات الجامعية؟
إن الجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات محاضرات وشهادات علمية، بل مؤسسة تصنع العقول وتقود مسيرة التنمية وتحدد ملامح مستقبل الأجيال. ومن ثم فإن اختيار رئيس جامعة أو عميد كلية أو أي قيادة أكاديمية يجب أن يكون قرارًا قائمًا على معايير دقيقة، في مقدمتها التميز العلمي، والخبرة الإدارية، والقدرة على التطوير، والنزاهة، والإنجاز الحقيقي.
ولا يجوز أن يشعر أستاذ الجامعة بأن سنوات عطائه وبحوثه العلمية لا تمنحه فرصة عادلة للمنافسة على القيادة، أو أن الوصول إلى المناصب يتطلب مهارات شخصية وعلاقات اجتماعية تتقدم على الكفاءة والجدارة. فالمؤسسة التي تريد التطور عليها أن تفتح أبوابها أمام العلماء، وأن تمنح أصحاب الرؤى فرصة حقيقية لإثبات قدراتهم.
يا وزير التعليم العالي، إن إصلاح التعليم الجامعي لا يبدأ فقط بتطوير المناهج أو تحديث المعامل أو إنشاء الجامعات الجديدة، بل يبدأ من الإنسان الذي يدير هذه المؤسسات. فكيف نطالب الجامعات بالتميز العالمي، بينما لا نضع التميز والكفاءة في مقدمة معايير اختيار من يقودها؟
نحتاج إلى مراجعة شاملة لفلسفة اختيار القيادات الجامعية، ووضع معايير معلنة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص، وتتيح لأصحاب الكفاءة التنافس بعيدًا عن المجاملات والاعتبارات غير المرتبطة بمتطلبات الوظيفة. كما يجب أن يكون هناك تقييم دوري وموضوعي لأداء القيادات، وفق مؤشرات واضحة تتعلق بجودة التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع والارتقاء بالتصنيف الدولي للجامعات.
ومن المهم أيضًا الاستفادة من خبرات الأساتذة والعلماء الذين يمتلكون تاريخًا أكاديميًا متميزًا، وعدم إهدار هذه الطاقات لمجرد اختلاف الرؤى أو غياب العلاقات مع دوائر صنع القرار. فالجامعة تحتاج إلى أصحاب العقول القادرة على التفكير والتخطيط والابتكار، وليس فقط من يجيدون إدارة المشهد أو كسب رضا المحيطين بهم.
إننا لا نطالب بمناصب لأشخاص بعينهم، ولا ندافع عن أسماء، وإنما ندافع عن مبدأ يجب أن يكون أساس العمل الجامعي: المنصب للأكفأ، والمسؤولية للأقدر، والفرصة لكل من يستحق.
فإذا أردنا تعليمًا جامعيًا يليق بمصر، فعلينا أن نعيد الاعتبار للعلماء، وأن نمنح الكفاءات مكانتها الطبيعية، وأن نجعل الاختيار قائمًا على ما قدمه المرشح من علم وإنجاز، وما يستطيع تقديمه من رؤية للمستقبل.
يا وزير التعليم العالي، الجامعات لا تحتاج إلى مزيد من المناصب بقدر ما تحتاج إلى قيادات استثنائية.. قيادات تعرف قيمة العلم، وتحترم الكفاءة، وتؤمن بأن مستقبل الأوطان يبدأ من عقول علمائها.