ما بعد خسارة ترامب ونتنياهو...هل يتغيّر الشرق الأوسط، أم يُعاد رسمه على حساب لبنان؟
الخميس 5 نوفمبر, 2026بقلم الدكتور ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية مجرّد خسائر انتخابية عابرة، بل كشفت عن تصدّعات سياسية قد تتجاوز حدود واشنطن وتل أبيب، لتطال التوازنات الإقليمية برمّتها. فترامب يواجه خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسَي الكونغرس والشيوخ، ونتنياهو يواجه خسارة الأكثرية البرلمانية لائتلافه، في تطوّرين يضعان العلاقة الأميركية الإسرائيلية أمام مرحلة مختلفة من الحسابات.
لكن السؤال الحقيقي ليس مَن خسر، بل مَن سيملأ الفراغ، ومَن سيدفع ثمن التحوّلات المقبلة؟
أولاً: واشنطن لم تعد تمنح شيكاً سياسياً مفتوحاً
خسارة الجمهوريين مجلسَي النواب والشيوخ تضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً. فالمعارضة الديمقراطية ستمتلك أدوات رقابية وتشريعية أوسع، وستصبح ملفات الحرب مع إيران والمساعدات العسكرية لإسرائيل والعلاقات الخارجية موضع مساءلة أشد.
وهذا لا يعني انقلاب السياسة الأميركية بين ليلة وضحاها، لكنه يعني أن العلاقة مع إسرائيل لم تعد بمنأى عن التجاذبات الداخلية الأميركية، وأن كلفة القرارات العسكرية والسياسية أصبحت أكثر حضوراً في حسابات الناخب الأميركي.
ثانياً: نتنياهو أمام أزمة سياسية تتجاوز شخصه
خسارة ائتلاف نتنياهو أغلبيته البرلمانية لا تعني سقوطه الفوري، لكنها تضع مستقبله السياسي أمام مفترق طرق. فإسرائيل تدخل مرحلة تفاوض على شكل الحكومة المقبلة، وعلى طبيعة سياستها الأمنية والعسكرية وعلاقاتها الدولية.
والأخطر أن تراجع التوافق الأميركي الداخلي حول إسرائيل قد يفرض على أي حكومة إسرائيلية مقبلة إعادة النظر في طريقة إدارة علاقاتها مع واشنطن.
ثالثاً: إيران تراقب، والمنطقة تعيد حساباتها
في طهران، ستُقرأ هذه التطورات باعتبارها فرصة لإعادة تقييم الموقف الأميركي، لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن تراجع نفوذ ترامب السياسي يعني نهاية المواجهة أو زوال المخاطر العسكرية.
فالمنطقة لا تتحرك وفق نتائج الانتخابات وحدها، بل وفق مصالح الدول، وموازين القوة، والاتفاقات الأمنية، والقدرة على فرض الوقائع على الأرض.
وقد نشهد محاولات جديدة لفتح قنوات تفاوض، أو إعادة ترتيب التحالفات، أو ممارسة ضغوط متبادلة على أكثر من جبهة.
رابعاً: لبنان… الخطر الأكبر أن يُعاد رسم مستقبله من دون اللبنانيين
هنا تكمن القضية الأساسية.
لبنان ليس تفصيلاً في الصراع الإقليمي، بل ساحة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والإيرانية والعربية. وأي تغيير في موازين القوى قد ينعكس مباشرة على مستقبله السياسي والأمني والاقتصادي.
والسؤال الذي يجب أن تطرحه الدولة اللبنانية اليوم: هل نمتلك مشروعاً وطنياً نستثمر من خلاله هذه التحولات، أم سنبقى ننتظر ما تقرره العواصم الكبرى؟
إن استمرار لبنان ساحة لتصفية الحسابات، وغياب القرار الوطني المستقل، قد يجعلان أي تسوية إقليمية جديدة تأتي على حساب سيادته ووحدة أراضيه ومصالح شعبه.
لا يكفي أن نطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولا يكفي أن نرفع شعارات المقاومة والسيادة؛ المطلوب دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد في الحرب والسلم، وعلاقات متوازنة مع المجتمعين العربي والدولي.
خامساً: هل حانت لحظة الحياد اللبناني؟
إن التحولات الراهنة تعيد طرح سؤال الحياد بصورة أكثر إلحاحاً. فلبنان لا يستطيع أن يبقى رهينة صراعات المحاور، ولا أن يكون صندوق بريد للرسائل العسكرية والسياسية بين القوى الإقليمية.
الحياد ليس استسلاماً، وليس تنازلاً عن الحقوق، بل هو مشروع لحماية لبنان من الحروب التي لا يملك قرارها، وإعادة بناء علاقاته على أساس المصالح الوطنية والاحترام المتبادل.
وهذا يتطلب دستوراً يُحترم، ومؤسسات تُحاسَب، وطبقة سياسية تخضع للمساءلة، واقتصاداً منتجاً لا يعيش على المساعدات والديون.
قد تتغير الحكومات في واشنطن وتل أبيب، وقد تتبدل التحالفات في طهران والعواصم العربية، وقد تدخل المنطقة مرحلة تفاوض أو مواجهة جديدة.
لكن لبنان لن ينجو بتغيير اللاعبين وحده، بل بتغيير طريقة إدارة دولته ومصيره.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يسقط مشروع سياسي في عاصمة، فيُستبدل بمشروع آخر، بينما يبقى لبنان مجرّد أرض تُرسم عليها خرائط الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى محور جديد، ولا إلى تسوية تُفرض عليه. يحتاج إلى أن يكون دولة مستقلة، صاحبة قرارها وسيادتها.
فهل يستيقظ اللبنانيون قبل أن تُرسم خريطة الشرق الأوسط الجديدة، أم نكتشف مرة أخرى أن الجميع تفاوضوا على مستقبل المنطقة، باستثناء أصحاب الوطن أنفسهم؟