المغرب العربي.. جغرافيا واحدة ومصالح مؤجلة
السبت 7 نوفمبر, 2026بقلم: معتز أبو رحاب
يمتلك المغرب العربي من المقومات الجغرافية والاقتصادية والبشرية ما يؤهله لأن يكون أحد أهم التكتلات الإقليمية في محيطه العربي والأفريقي والمتوسطي. خمس دول تتقاسم امتداداً جغرافياً متصلاً، وروابط تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة، وسواحل طويلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، فضلاً عن موارد طبيعية متنوعة وأسواق يمكن أن تتكامل بصورة تحقق مصالح جميع الأطراف.
لكن المفارقة أن هذه المنطقة التي تبدو مؤهلة أكثر من غيرها لبناء تكتل اقتصادي وسياسي مؤثر، لا تزال عاجزة عن ترجمة تلك المقومات إلى واقع ملموس.
فمنذ تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1989، لم تنجح الدول الخمس، المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، في بناء منظومة تكامل حقيقية. بل إن الاتحاد الذي استقبلت شعوب المنطقة تأسيسه بآمال كبيرة، تحول بمرور السنوات إلى إطار مؤسسي محدود التأثير، وغابت عنه الاجتماعات المنتظمة والقرارات المشتركة والمشروعات الاقتصادية الكبرى.
والأمر لا يتعلق فقط بتعثر مؤسسة إقليمية، وإنما بضياع فرص اقتصادية واستثمارية وتجارية كان من الممكن أن تغير طبيعة العلاقات بين دول المنطقة، وتمنحها وزناً تفاوضياً أكبر في التعامل مع القوى الاقتصادية الدولية.
الخلافات السياسية.. العقبة الأكثر تعقيداً
يصعب الحديث عن مستقبل العلاقات المغاربية دون التوقف أمام طبيعة العلاقة بين المغرب والجزائر، باعتبارهما الدولتين الأكثر تأثيراً في معادلة التوازن الإقليمي.
فالخلاف حول الصحراء يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين البلدين، وقد تجاوز تأثيره حدود الخلاف الدبلوماسي إلى تعطيل مسارات التعاون الاقتصادي والأمني، وإغلاق الحدود البرية منذ عام 1994، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 2021.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن الخلاف بين دولتين بهذا الحجم الجغرافي والاقتصادي والسياسي لا يظل محصوراً في علاقاتهما الثنائية، بل ينعكس على مستقبل المنطقة بأكملها.
ومع ذلك، فإن اختزال أزمة التكامل المغاربي في الخلاف المغربي الجزائري وحده لا يقدم تفسيراً كاملاً للمشكلة. فهناك أيضاً الانقسامات السياسية داخل ليبيا، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس، ومحدودية الإمكانات اللوجستية في موريتانيا، فضلاً عن غياب رؤية اقتصادية مشتركة تحدد أولويات المنطقة خلال السنوات المقبلة.
المشكلة إذن أوسع من خلاف سياسي بين عاصمتين؛ إنها أزمة ثقة وتنسيق ومؤسسات، جعلت كل دولة تتعامل مع محيطها الإقليمي باعتباره مساحة للمنافسة أكثر منه مجالاً لتبادل المصالح.
اقتصاد بلا سوق مغاربية مشتركة
ربما تكون الأرقام الاقتصادية أكثر تعبيراً عن حجم الفرصة الضائعة.
فبحسب دراسة لصندوق النقد الدولي حول التكامل الاقتصادي في المغرب العربي، لا تتجاوز التجارة البينية بين دول المنطقة نسبة 5% من إجمالي تجارتها، وهي واحدة من أدنى نسب التجارة الإقليمية على مستوى العالم.
وهذا يعني أن اقتصادات المنطقة، رغم قربها الجغرافي وتشابه احتياجاتها في قطاعات عديدة، لا تزال تتعامل تجارياً مع الأسواق البعيدة بدرجة أكبر من تعاملها مع أسواق جيرانها.
تخيل حجم الفرص التي يمكن أن تتحقق إذا أصبح المنتج المغربي متاحاً بسهولة في الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، وإذا تمكنت الصناعات الجزائرية من الوصول إلى الأسواق المغاربية، واستفادت الشركات التونسية من الأسواق المجاورة، وأصبحت موريتانيا بوابة لوجستية وتجارية تربط شمال أفريقيا بغربها.
هناك فرص واضحة في الصناعات الغذائية، والمنسوجات، والأسمدة والبتروكيماويات، والطاقة، والصناعات التحويلية، والخدمات المصرفية، والنقل واللوجستيات.
كما أن اختلاف الموارد والإمكانات بين الدول الخمس يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية؛ فالجزائر وليبيا تمتلكان موارد طاقة كبيرة، والمغرب لديه قاعدة صناعية وتصديرية متنامية، وتونس تمتلك خبرات صناعية وخدمية، بينما تتمتع موريتانيا بموقع استراتيجي وموارد معدنية وسمكية وإمكانات واعدة في الربط مع أسواق غرب أفريقيا.
لكن هذه المزايا لا تعمل ضمن منظومة واحدة، وإنما تتحرك في مسارات منفصلة، وهو ما يرفع تكلفة التجارة والاستثمار ويضعف القدرة التنافسية للمنطقة.
البنية التحتية والبيروقراطية.. عوائق لا تقل أهمية
لا تتوقف أزمة التكامل عند الخلافات السياسية. فحتى في الملفات التي لا تثير خلافاً سيادياً، لا تزال هناك عقبات تتعلق بإجراءات الجمارك، وتفاوت المواصفات القياسية، والقيود غير الجمركية، وصعوبة انتقال رؤوس الأموال، وضعف الربط البري والسككي بين عدد من العواصم والمدن الاقتصادية.
ومن غير المنطقي أن تكون المسافة الجغرافية بين بعض الأسواق المغاربية قصيرة، بينما تستغرق حركة البضائع بينها وقتاً وتكلفة أكبر مما تتطلبه تجارتها مع أسواق أوروبية بعيدة.
كذلك فإن غياب شبكة نقل إقليمية متكاملة يحرم المنطقة من بناء سلاسل إنتاج مشتركة، تستطيع فيها كل دولة أن تتخصص في مراحل معينة من التصنيع، بدلاً من أن تسعى كل دولة إلى بناء منظومة إنتاج مستقلة تتحمل تكلفتها بالكامل.
وهنا تظهر أهمية الربط بين الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية، وتطوير المعابر الحدودية، وتوحيد الإجراءات الجمركية والرقمية.
هل يمكن تجاوز الأزمة؟
في تقديري، فإن إعادة بناء العلاقات المغاربية لا ينبغي أن تبدأ بمحاولة حل جميع الخلافات السياسية دفعة واحدة، لأن انتظار تسوية الملفات الكبرى قبل إطلاق أي تعاون اقتصادي يعني استمرار حالة الجمود لسنوات أخرى.
المطلوب هو الفصل بين الملفات التي يمكن التعاون بشأنها، وتلك التي تحتاج إلى مفاوضات سياسية طويلة.
هناك مصالح مشتركة لا ينبغي أن تظل رهينة الخلافات، وفي مقدمتها الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، ومواجهة التصحر، والطاقة المتجددة، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، فضلاً عن تطوير التجارة والاستثمار.
ويمكن البدء بمجموعة من الخطوات العملية:
أولاً، إعادة تفعيل اتحاد المغرب العربي، مع مراجعة آليات عمله ومنحه صلاحيات تنفيذية أكثر فاعلية، وإنشاء اجتماعات دورية للوزراء المعنيين بالاقتصاد والتجارة والنقل والطاقة، بعيداً عن انتظار انعقاد القمم السياسية التي أصبحت متعثرة منذ سنوات طويلة.
ثانياً، إنشاء منطقة تجارية مغاربية تدريجية، تبدأ بتخفيض القيود غير الجمركية، وتوحيد المواصفات والإجراءات، وتسهيل انتقال السلع ورؤوس الأموال، مع وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاقات ومتابعة الالتزام بها.
ثالثاً، إطلاق مشروعات مشتركة في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعات الغذائية والأسمدة والمنسوجات، بحيث تتحول العلاقات الاقتصادية من مجرد تبادل تجاري محدود إلى مصالح إنتاجية متشابكة يصعب التفريط فيها.
رابعاً، الاستثمار في البنية التحتية الإقليمية، خصوصاً الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمناطق اللوجستية، وربطها بالممرات التجارية الأفريقية، بما يسمح بفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المغاربية.
خامساً، منح القطاع الخاص دوراً أكبر في صياغة مستقبل التكامل، من خلال تأسيس مجالس أعمال مشتركة، وتسهيل تأسيس الشركات العابرة للحدود، وتنظيم المعارض التجارية، وتوفير ضمانات للاستثمار، لأن رجال الأعمال يستطيعون أحياناً فتح مسارات تعاون لا تستطيع السياسة فتحها بالسرعة نفسها.
سادساً، الاهتمام بالشباب والجامعات والبحث العلمي، وتسهيل تنقل الطلبة والباحثين والعمالة المتخصصة، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، فالتكامل لا يمكن أن يقتصر على حركة البضائع ورؤوس الأموال بينما تظل حركة البشر محدودة.
المغرب العربي والعمق الأفريقي
ثمة متغير آخر ينبغي أن يكون حاضراً في أي رؤية مستقبلية للعلاقات المغاربية، وهو التحولات الاقتصادية التي تشهدها القارة الأفريقية.
فدول المنطقة لا تمتلك فقط أسواقاً داخلية يمكن التكامل بينها، وإنما تمتلك موقعاً جغرافياً يسمح لها بأن تكون حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي.
وهنا تبرز أهمية موريتانيا بصورة خاصة، بحكم موقعها الذي يربط شمال أفريقيا بغربها، كما تبرز أهمية المغرب بفضل امتداده الأطلسي وشبكة علاقاته الاقتصادية والاستثمارية مع عدد من الدول الأفريقية.
ويمكن أن يشكل التكامل بين الموانئ المغاربية والممرات التجارية الأفريقية فرصة لبناء شبكة إمداد إقليمية، تستفيد منها الصناعات المحلية وتفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات والخدمات.
كما أن دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية حيز التنفيذ يوفر إطاراً أوسع يمكن للدول المغاربية الاستفادة منه، شريطة أن تتحول من مجرد أطراف مشاركة في الاتفاقيات إلى دول قادرة على بناء سلاسل إنتاج وتجارة مشتركة.
المطلوب واقعية سياسية لا شعارات جديدة
لا أعتقد أن شعوب المغرب العربي تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن وحدة التاريخ واللغة والدين والجغرافيا؛ فهذه حقائق لا خلاف عليها، لكنها لم تكن كافية طوال العقود الماضية لإقامة تكامل حقيقي.
ما تحتاج إليه المنطقة هو إرادة سياسية تتعامل مع المصالح الاقتصادية باعتبارها أولوية، وتدرك أن استمرار القطيعة لا يضر طرفاً بعينه، وإنما يضعف الجميع.
ليس مطلوباً أن تتفق العواصم المغاربية على كل الملفات حتى تتعاون في التجارة والطاقة والأمن الغذائي والنقل، وليس مطلوباً أيضاً أن تتخلى أي دولة عن مواقفها السياسية حتى تبدأ في بناء علاقات اقتصادية طبيعية مع جيرانها.
لكن المطلوب هو إدارة الخلافات بطريقة تمنع انتقالها إلى كل مجالات العلاقات الإقليمية.
إن مستقبل المغرب العربي لن يتحدد فقط بما تملكه دوله من موارد، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى مصالح مشتركة. وبين سوق إقليمية يمكن أن تضم أكثر من مئة مليون نسمة، وواقع لا تزال فيه التجارة البينية محدودة، تبدو الفجوة كبيرة بما يكفي لتفرض على صناع القرار مراجعة حساباتهم.
فالمشكلة ليست في غياب المقومات، وإنما في غياب الإرادة والآليات التي تجعل الاستفادة منها مصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة.