إبراهيم. عمران يكتب. الجامعات محراب العلم ليس عزبة كفى إقصاء للكفاءات ومكافأة للولاءات

الثلاثاء 20 أكتوبر, 2026

حين تصبح المناصب الجامعية أقرب إلى دوائر الثقة منها إلى ميادين الاستحقاق وحين تتراجع معايير الكفاءة أمام اعتبارات التقارب الشخصي فإن الأمر لا يعود مجرد خلل إداري بل يصبح جرس إنذار يستوجب وقفة جادة لحماية واحدة من أهم مؤسسات بناء الإنسان وصناعة المستقبل
فالجامعات ليست إقطاعيات خاصة ولا المناصب القيادية فيها مكافآت تمنح للمقربين ولا مقاعد المسؤولية امتيازات يحتكرها أصحاب النفوذ وإنما هي مؤسسات وطنية يجب أن تخضع فيها فرص القيادة لمعايير النزاهة والكفاءة والجدارة بعيدا عن العلاقات الشخصية والولاءات
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة ليس أن تفتقر إلى العقول بل أن تمتلك العقول ثم تغلق أمامها أبواب القيادة
ومن هنا نوجه نداء واضحا إلى وزير التعليم العالي لإعادة النظر في آليات اختيار القيادات الجامعية وفي مقدمتها عمداء الكليات ونواب رؤساء الجامعات وقيادات الجامعات الأهلية مع مراعاة الأطر القانونية المنظمة لكل منها وبما يضمن استقلال التقييم وعدالة المنافسة
ونضع أمام السيد الوزير مطلبا جوهريا نراه أساسيا لأي إصلاح حقيقي وهو استبعاد رئيس الجامعة من لجان اختيار القيادات التابعة له ومنحه أي سلطة للتصويت أو المفاضلة أو ترجيح مرشح على آخر
فكيف نضمن استقلال الاختيار إذا كان المسؤول الذي سيتولى المرشح العمل تحت قيادته طرفا في تقييمه أو ترجيحه وكيف نطمئن إلى تكافؤ الفرص إذا كان التقارب مع رئيس الجامعة قد يتحول إلى ميزة غير معلنة في المنافسة على المناصب القيادية
إن المشكلة ليست بالضرورة في نزاهة الأشخاص وإنما في طبيعة الآلية التي تسمح بتداخل السلطة الإدارية مع سلطة الاختيار فحتى مع افتراض حسن النوايا يظل وجود رئيس الجامعة داخل منظومة المفاضلة مصدرا محتملا لتضارب المصالح ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلال القرار
ولا يعني ذلك اتهام رؤساء الجامعات بالمحاباة أو التشكيك في نزاهتهم وإنما يعني أن العدالة المؤسسية لا ينبغي أن تعتمد على نزاهة الأشخاص وحدها بل على قواعد واضحة تمنع التأثير الشخصي وتحمي نزاهة الاختيار مهما تغيرت القيادات
ولا يمكن إنكار ما شهدته منظومة التعليم العالي من خطوات تنظيمية لتشكيل لجان اختيار القيادات الجامعية ولكن وجود اللجان لا يكفي لضمان استقلالها إذا ظل لرئيس الجامعة دور في رئاستها أو عضويتها أو التأثير في نتائجها
ولذلك فإننا ندعو إلى مراجعة القواعد المنظمة لتشكيل لجان الاختيار بما يكفل استبعاد رئيس الجامعة من أعمال التقييم والمفاضلة والتصويت وترجيح المرشحين وإسناد هذه المسؤولية إلى لجان مستقلة تضم خبراء أكاديميين وإداريين من خارج الجامعة المعنية مشهودا لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة
ومن حق رئيس الجامعة أن يوضح الاحتياجات المؤسسية وأولويات التطوير من خلال تقارير موضوعية ومعلنة دون المشاركة في تقييم المرشحين أو ترتيبهم أو التأثير في القرار النهائي
فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بمجرد تشكيل لجنة وإنما بضمان ألا يكون لمن يملك السلطة الإدارية نفوذ على من يتولى تقييم المرشحين للقيادة
إننا لا نبحث عن نقل سلطة الاختيار من يد إلى أخرى وإنما نبحث عن منظومة لا يستطيع أي شخص مهما كان موقعه أن يوجه نتائجها بعيدا عن معايير الاستحقاق
كما أن استقلال لجان الاختيار يجب أن يقترن بمعايير معلنة وأوزان نسبية واضحة لتقييم الإنجاز العلمي والخبرة الإدارية والكفاءة القيادية والرؤية المستقبلية والقدرة على التطوير المؤسسي مع ضمان توثيق نتائج المفاضلة وإتاحة آليات مستقلة للتظلم ومراجعة الإجراءات
فالشفافية لا تعني فقط إعلان اسم الفائز بالمنصب وإنما أن يطمئن كل مرشح إلى أن فرصته خضعت لمنافسة عادلة وأن قرار الاختيار لم يتأثر بقربه من صاحب القرار أو اختلافه معه
ولا يستقيم أن نطالب أعضاء هيئة التدريس بالاجتهاد والتميز ثم نتركهم يتساءلون عما إذا كانت الكفاءة والخبرة والإنجاز كافية للوصول إلى مواقع المسؤولية أم أن الطريق إلى القيادة يمر أولا عبر كسب رضا المسؤول
إن إهدار فرصة كفاءة واحدة لا يعني خسارة شخص فحسب بل قد يعني حرمان مؤسسة كاملة من عقل قادر على التطوير ورؤية قادرة على التغيير وإدارة تستطيع تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة
والأخطر أن الشعور بغياب العدالة يضعف الثقة في منظومة الاختيار ويقتل الطموح لدى الكفاءات التي قد تجد نفسها أمام منافسة لا تتكافأ فيها الفرص
لا نريد تغيير الوجوه مع بقاء القواعد كما هي بل نريد إصلاحا يغير فلسفة الاختيار ويغلق أبواب المحاباة ويفتح الطريق أمام كل من يستحق
ونؤكد أن استبعاد رئيس الجامعة من اختيار القيادات التابعة له ليس انتقاصا من سلطاته أو مكانته وإنما ضمانة لحماية استقلال القرار وتعزيز الثقة في نزاهة الإجراءات والفصل بين سلطة الإدارة وسلطة التقييم
فالإدارة الرشيدة لا تقوم على تركيز السلطات وإنما على توزيع المسؤوليات ووجود ضمانات حقيقية للحياد والمساءلة
كما أن الإصلاح يجب ألا يتوقف عند لحظة الاختيار بل يمتد إلى تقييم أداء القيادات بعد توليها المسؤولية وفق مؤشرات واضحة تقيس الإنجاز والتطوير وجودة الإدارة وكفاءة استثمار الموارد
إننا أمام قضية وطنية لا تستهدف أشخاصا ولا تسعى إلى تصفية حسابات وإنما تدعو إلى إصلاح مؤسسي يحمي الجامعات من أي تأثيرات شخصية ويضمن وصول الأكثر كفاءة إلى مواقع القيادة
إن التاريخ لا يسجل عدد المناصب التي وزعت بل يسجل ما حققته القيادات من إنجاز وما تركته من أثر وما وفرته من فرص للأجيال الجديدة
فلتكن البداية بمراجعة آليات الاختيار واستبعاد رؤساء الجامعات من المفاضلة بين المرشحين لقيادة المؤسسات التابعة لهم حتى تصبح الجدارة وحدها أساس المنافسة وتتحقق العدالة بقوة النظام لا بحسن نوايا الأشخاص
فلتكن رسالتنا حاسمة
لا قداسة لمنصب ولا حصانة لآلية اختيار ولا أولوية لعلاقة شخصية على حساب الكفاءة
إن الجامعات المصرية تستحق أن تدار بالعقول لا بالمجاملات وبالإنجاز لا بالولاءات وبالعدالة لا بحسابات المصالح
فالجامعات ليست عزبة لأحد والعلم ليس ملكية خاصة والكفاءة ليست منحة يمنحها مسؤول لمن يشاء بل هي حق للمؤسسة وضرورة للوطن
وحماية هذا الحق تبدأ من منظومة اختيار مستقلة لا يكون فيها رئيس الجامعة صاحب سلطة إدارية وحكما في المنافسة على القيادة في الوقت نفسه
فتلك هي البداية الحقيقية لإصلاح يعيد للجدارة هيبتها وللجامعات استقلالها وللكفاءات ثقتها في عدالة الفرص