لبنان أمام ساعة الإنذار… عندما تتقاطع جبهات المنطقة
السبت 3 أكتوبر, 2026بقلم د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
لم يعد الخطر على لبنان يُقاس بما يحدث على حدوده الجنوبية فقط. فالمنطقة بأكملها تدخل مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها جبهة الجنوب اللبناني مع المواجهة الأميركية–الإيرانية، والتصعيد في البحر الأحمر واليمن، والتوتر في الخليج، فيما تبقى غزة وسورية جزءاً من المشهد الإقليمي المفتوح.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية عندما تتعدّد الجبهات، قد يصبح أي حادث أمني محدود شرارةً لمسار أكبر من قدرة الأطراف على ضبطه.
في الجنوب اللبناني، ما زالت إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، فيما يستمر الخلاف حول آلية الانسحاب وترتيبات الأمن ونزع سلاح حزب الله. كما أن ربط الانسحاب من بعض المناطق الجنوبية بملف سلاح الحزب يجعل الجنوب نقطة احتكاك دائمة، ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
والأخطر أن الجنوب لم يعد منفصلاً تماماً عن الحسابات الإقليمية. فقد باتت الساحة اللبنانية مرتبطة بصورة مباشرة بالتوتر الأوسع بين طهران وواشنطن وتل أبيب، ما يجعل أي تطور عسكري في الجنوب قابلاً للتفاعل مع أحداث تقع خارج الحدود اللبنانية.
وفي المقابل، تتسع دائرة الخطر من البحر الأحمر. فالتطورات الأخيرة في اليمن، والهجمات الحوثية على السعودية، والاستعدادات السعودية لعملية عسكرية محتملة، تعني أن باب المندب يمكن أن يتحول إلى جبهة جديدة ذات تأثير مباشر على الملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه، تتواصل المساعي السياسية لاحتواء التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة أوسع.
أما الخليج، فيبقى تحت ضغط التوتر الأميركي–الإيراني، مع استمرار المخاوف حول أمن الملاحة والطاقة في المنطقة. وهذا لا يعني بالضرورة أن حرباً شاملة أصبحت حتمية، لكنه يعني أن هامش الخطأ أصبح أضيق بكثير.
لبنان، في هذه المعادلة، لا يملك رفاهية الانتظار حتى تتضح الصورة بعد فوات الأوان.
فالاقتصاد اللبناني المنهك، والمؤسسات التي ما زالت تعاني من أزمات متراكمة، والجنوب الذي دفع ثمناً باهظاً في الحروب السابقة، كلها عوامل تجعل أي توسع عسكري جديد أكثر كلفة على المواطن اللبناني قبل أي طرف آخر.
ولهذا فإن التحذير اليوم ليس من حرب مؤكدة، بل من منطق الانزلاق.
صاروخ هنا، غارة هناك، اغتيال، خطأ في التقدير، استهداف موقع حساس، أو ردّ يتجاوز الحسابات… وقد تنتقل المنطقة خلال ساعات من رسائل النار إلى مواجهة يصعب إيقافها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح في لبنان ليس فقط من سيطلق النار؟
بل ماذا أعددنا نحن إذا اتسعت النار؟
هل الدولة اللبنانية تملك خطة واضحة لحماية المدنيين؟
هل المؤسسات قادرة على تأمين الغذاء والدواء والوقود؟
هل هناك خطة اقتصادية ومالية لمواجهة إغلاق الطرق أو تعطّل المرافئ والمطارات أو اضطراب الملاحة؟
وهل توجد قناة سياسية لبنانية فاعلة تمنع تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً.
إنها أسئلة تتعلق بأمن الناس وبقاء الدولة.
لبنان لا يستطيع أن يتحكم بما تفعله واشنطن أو طهران أو تل أبيب أو الرياض أو صنعاء، لكنه يستطيع أن يحدد موقفه من حماية أراضيه ومؤسساته وشعبه.
وفي اللحظات الخطرة، تكون الدولة القوية هي التي تعرف كيف تمنع النار من الوصول إلى بيتها، لا التي تنتظر وصولها ثم تبدأ بإحصاء الخسائر.
الرسالة الأهم اليوم..لا أحد يستطيع أن يضمن أن تبقى جبهات المنطقة منفصلة. ولذلك يجب أن يتعامل لبنان مع المرحلة باعتبارها مرحلة إنذار، لا مرحلة انتظار.
فإذا اشتعلت المنطقة، لن يسأل التاريخ من كان على حق في البيانات والتصريحات؛ سيسأل: ماذا فعلت الدولة اللبنانية لحماية لبنان عندما كانت علامات الخطر واضحة؟