لبنان أمام عاصفة إقليمية مفتوحة

الأحد 20 سبتمبر, 2026

بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

تتسارع التطورات في المنطقة بصورة لافتة، وفي مقدّمها التصعيد الذي وصل إلى العاصمة السعودية الرياض، بالتزامن مع تحذير أميركي عالمي يدعو المواطنين الأميركيين إلى توخّي مزيد من الحذر، ويحذّر من احتمال حدوث تصعيد سريع وغير متوقع في المنطقة. 

واللافت أن التحذير الأميركي لم يأتِ في فراغ؛ فقد أشار بصورة مباشرة إلى الأعمال العدائية التي ينفذها الحوثيون ضد السعودية، في وقت أعلنت فيه الرياض اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه العاصمة، بينما تحدث الحوثيون عن استهداف مواقع حساسة في الرياض ومنشآت مرتبطة بأرامكو في ينبع. 

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: وصول التهديد إلى الرياض، بعد أن كان التصعيد يتركز بصورة أكبر في اليمن والبحر الأحمر، يرفع مستوى الخطر بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها في الخليج. فالرياض ليست مجرد عاصمة؛ إنها مركز سياسي واقتصادي وأمني بالغ الأهمية، وأي تهديد مباشر لها يغيّر حسابات المنطقة.

وفي هذا السياق، تأتي عودة الرئيس دونالد ترامب المفاجئة إلى البيت الأبيض بعد اختصار إقامته في كامب ديفيد. صحيح أن البيت الأبيض لم يعلن سبب العودة المبكرة، ولذلك لا يمكن الجزم بأنها جاءت بسبب هجوم الرياض تحديدًا، لكن التزامن بين التطور العسكري والتحذير الأميركي وعودة الرئيس إلى واشنطن يجعل الحدث جديرًا بالمتابعة. 

وهنا السؤال الكبير: هل أصبح أمن الخليج هو العامل الذي دفع واشنطن إلى إعادة ترتيب حساباتها؟

الهجوم على الرياض، إلى جانب التوتر حول البحر الأحمر وممرات الطاقة، يضع الولايات المتحدة أمام معادلة مختلفة؛ فالمسألة لم تعد محصورة في جبهة يمنية، بل أصبحت مرتبطة بأمن السعودية، والطاقة، والملاحة، والمصالح الأميركية في المنطقة.

أما لبنان، فلا يستطيع أن يتعامل مع هذه التطورات وكأنها تجري بعيدًا عنه. فالجنوب والحدود اللبنانية–الإسرائيلية لا يزالان عرضة للتوتر، وأي توسع في المواجهة الإقليمية قد ينعكس مباشرة على لبنان، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

والخطر الأكبر أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى جزء من مشهد إقليمي أوسع إذا اتسعت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو امتدت رقعة الصراع إلى دول الخليج.

لذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى لبنان لا يجب أن يكون فقط: ماذا ستفعل واشنطن؟ وماذا ستفعل إيران؟ وماذا ستفعل إسرائيل؟

بل السؤال الأهم هو، هل الدولة اللبنانية مستعدة لليوم الذي قد تتسع فيه العاصفة؟

التحذير الأميركي العالمي ليس إعلانًا عن حرب جديدة، لكنه يأتي في توقيت شديد الحساسية، بعد تصعيد مباشر ضد الرياض، ومع عودة ترامب المفاجئة إلى واشنطن. وهذه التطورات مجتمعة تجعل المنطقة أمام مرحلة لا يمكن التعامل معها باستخفاف. 

لبنان لا يملك ترف الانتظار حتى تصل العاصفة إلى حدوده. المطلوب أن تكون الدولة مستعدة قبل أن يصبح الاستعداد ضرورة، وأن تحمي البلاد من أن تتحول مرة أخرى إلى ساحة لصراع أكبر من قدرتها على تحمّل كلفته..
وفي النهاية، تتحمّل الدولة اللبنانية والحكومة مسؤولية مباشرة أمام شعبها في هذه المرحلة. فإذا كانت المنطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد، فلا يجوز أن يبقى لبنان ينتظر وقوع الحرب حتى يبدأ بالتحرّك. حماية المواطنين ليست موقفًا سياسيًا ولا شعارًا إعلاميًا، بل مسؤولية دستورية ووطنية تفرض الاستعداد المسبق.

وعلى الحكومة أن تكون قادرة، قبل أي طارئ، على حماية المدنيين، وتأمين المستشفيات والأدوية والمواد الغذائية والوقود، وضمان استمرار الكهرباء والاتصالات، وتجهيز مراكز الإيواء وخطط الإجلاء، وحماية المطارات والمرافئ وشبكات البنية التحتية، والتنسيق مع الجيش والدفاع المدني والبلديات والأمم المتحدة والدول الصديقة.

فإذا اندلعت الحرب لا سمح الله، لن يكون مقبولًا أن تكتشف الدولة عندها أنها لم تكن مستعدة لحماية شعبها. المسؤولية تُقاس بما تفعله الحكومة قبل الكارثة، لا بما تقوله بعدها.

لبنان ليس ملكًا للسلطة وحدها، بل أمانة في عهدة الدولة أمام كل مواطن. وإذا كانت الحكومة تعلم أن المنطقة تقف على حافة التصعيد، فعليها أن تتحرك الآن؛ لأن حماية اللبنانيين ليست ترفًا سياسيًا، بل واجب لا يجوز تأجيله...