سنجار وذاكرة الإبادة الجماعية للإيزيديين.. حين استُهدف الوجود قبل الإنسان
الاثنين 3 أغسطس, 2026بقلم : شيركو حبيب
هناك أحداث لا تمر في ذاكرة الشعوب باعتبارها مجرد وقائع تاريخية، بل تتحول إلى رموز تختصر معاناة جماعية وتجارب إنسانية عميقة. ويُعد الثالث من آب/أغسطس عام 2014 واحدًا من هذه التواريخ، إذ شهدت منطقة سنجار في محافظة نينوى هجومًا واسعًا من قبل تنظيم داعش الإرهابي استهدف المجتمع الإيزيدي، وأدى إلى وقوع واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في تاريخ العراق الحديث.
لم يكن ما حدث في سنجار مجرد معركة عسكرية أو نتيجة مباشرة للفوضى الأمنية التي أعقبت سيطرة داعش على أجزاء واسعة من العراق، بل كان مشروعًا قائمًا على أيديولوجيا متطرفة هدفت إلى القضاء على جماعة دينية بسبب هويتها.
وقد اتخذ هذا المشروع أشكالًا متعددة من العنف، شملت القتل الجماعي، والخطف، والاستعباد الجنسي، وتجنيد الأطفال، والتهجير القسري.
إن أهمية دراسة جريمة سنجار لا ترتبط بماضي الضحايا فقط، بل تتصل بقضايا الحاضر والمستقبل، مثل حماية الأقليات، ومكافحة التطرف، وتحقيق العدالة، وحفظ الذاكرة الإنسانية.
أولًا: سنجار والإيزيديون قبل عام 2014
تقع منطقة سنجار غرب محافظة نينوى، وتُعد من أهم المراكز التاريخية للإيزيديين. فقد ارتبطت المنطقة بالهوية الدينية والاجتماعية للإيزيديين، واحتضنت قرى ومواقع دينية شكلت جزءًا أساسيًا من تاريخهم.
الإيزيدية ديانة قديمة لها معتقداتها وطقوسها ومؤسساتها الاجتماعية الخاصة. وقد حافظ الإيزيديون عبر التاريخ على خصوصيتهم الدينية والثقافية رغم تعرضهم في فترات مختلفة إلى حملات اضطهاد وتمييز.
كانت سنجار قبل العام 2014 منطقة ذات تنوع اجتماعي، إلا أن الإيزيديين شكلوا مكونًا أساسيًا من سكانها. كما أن موقعها الجغرافي بين العراق وسوريا منحها أهمية استراتيجية جعلتها جزءًا من الصراعات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.
ثانيًا: هجوم داعش على سنجار في 3 آب/أغسطس 2014
في فجر الثالث من آب/أغسطس عام 2014 بدأ تنظيم داعش الإرهابي هجومه على سنجار بعد توسعه العسكري في محافظة نينوى. أدى الهجوم إلى انهيار الوضع الأمني في المنطقة، ودفع عشرات الآلاف من السكان إلى الفرار بحثًا عن النجاة.
هرب آلاف المدنيين نحو جبل سنجار، حيث واجهوا ظروفًا إنسانية صعبة بسبب الحصار ونقص الغذاء والماء والرعاية الطبية، في حين وقع عدد كبير من السكان تحت سيطرة التنظيم.
ومنذ الأيام الأولى للسيطرة على المنطقة، بدأ داعش بتنفيذ سياسة منظمة ضد الإيزيديين، إذ فصل الرجال عن النساء والأطفال، وقتل أعدادًا كبيرة من الرجال والشباب، كما اختطف آلاف النساء والأطفال ونقلهم إلى مناطق خاضعة لسيطرته.
لم يكن هذا السلوك عشوائيًا، بل جاء ضمن أيديولوجيا متطرفة اعتبرت الإيزيديين هدفًا مشروعًا للعنف بسبب هويتهم الدينية والقومية.
ثالثًا: طبيعة الجرائم المرتكبة ضد الإيزيديين
تميزت جرائم داعش في سنجار بأنها كانت منظمة وممنهجة، ولم تقتصر على العمليات العسكرية، بل استهدفت وجود المجتمع الإيزيدي وهويته.
1- القتل الجماعي
قام تنظيم داعش بقتل أعداد كبيرة من الرجال والشباب الإيزيديين، وتم اكتشاف مقابر جماعية في مناطق مختلفة من سنجار، شكلت أدلة مادية على حجم الجريمة.
2- الخطف والاستعباد الجنسي
تعرضت آلاف النساء والفتيات الإيزيديات للاختطاف والاستعباد الجنسي، في انتهاك خطير لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
3- تجنيد الأطفال
عمل التنظيم على استغلال الأطفال المختطفين وإخضاعهم للتلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري.
4- التهجير وتدمير الهوية
لم يستهدف داعش الأفراد فقط، بل حاول تدمير عناصر الهوية الاجتماعية والثقافية للإيزيديين من خلال التهجير وتدمير بعض المواقع الدينية.
رابعًا: جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
تُعرّف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 الإبادة بأنها أفعال ترتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كليًا أو جزئيًا.
وتشمل هذه الأفعال: قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير، و فرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير الجماعة، ونقل الأطفال قسرًا.
وقد استندت جهات دولية إلى الأدلة والشهادات المتوفرة حول جرائم داعش ضد الإيزيديين لتوصيف ما حدث بأنه إبادة جماعية، بسبب وجود نمط واضح من الاستهداف القائم على الهوية.
خامسًا: دور إقليم كوردستان والزعيم مسعود بارزاني في مواجهة داعش وتحرير سنجار
شكل هجوم داعش على سنجار أزمة إنسانية وعسكرية كبيرة، وفي ظل هذه الظروف برز دور القيادة السياسية والعسكرية في إقليم كوردستان في مواجهة التنظيم.
وكان الزعيم مسعود بارزاني، من الشخصيات الرئيسية التي تابعت تطورات الأزمة، ودعمت الجهود السياسية والعسكرية لحماية المناطق المهددة وتنظيم الاستجابة للأوضاع الإنسانية.
الدور السياسي والإنساني
عمل الزعيم بارزاني على تسليط الضوء على مأساة الإيزيديين، والدعوة إلى تقديم الدعم والمساعدات للنازحين، والتأكيد على ضرورة حماية المدنيين الذين تعرضوا لهجوم داعش.
الدور العسكري
شاركت قوات البيشمركة في الدفاع عن المناطق المهددة، وتأمين طرق الإجلاء والمساعدات، والمساهمة في إنقاذ آلاف المدنيين الذين كانوا محاصرين في جبل سنجار.
تحرير سنجار
في العام 2015
وشاركت قوات البيشمركة، إلى جانب قوى أخرى وبدعم من التحالف الدولي، في العمليات العسكرية التي أدت إلى استعادة سنجار وإنهاء سيطرة داعش على أجزاء واسعة منها.
وتشير الروايات السياسية والإعلامية الكوردية إلى أن الرئيس بارزاني كان حاضرًا ميدانيًا خلال فترة من المواجهات في جبهة سنجار لمتابعة العمليات ورفع معنويات القوات المشاركة.
ويبقى تقييم هذا الدور جزءًا من دراسة تاريخية أوسع تشمل جميع الأطراف التي شاركت في مواجهة داعش وتحرير المنطقة.
سادسًا: العدالة والذاكرة
إن العدالة في قضية سنجار لا تقتصر على محاسبة مرتكبي الجرائم، بل تشمل أيضًا حفظ الأدلة، ودعم الناجين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
إن استمرار التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الإيزيديين وفق القانون الدولي، مهم جدا، مع ضرورة محاسبة جميع المتورطين وعدم إفلاتهم من العقاب، والحفاظ على الأدلة والمقابر الجماعية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين، وضمان إعادة إعمار سنجار وعودة النازحين، وإنشاء مراكز لحفظ ذاكرة الضحايا، ودعم الدراسات الأكاديمية حول الإيزيديين ومأساتهم.
إن جريمة سنجار عام 2014 تمثل واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق جماعة دينية في العصر الحديث، فقد تعرض الإيزيديون لهجوم منظم استهدف وجودهم وهويتهم، وأسفر عن آلاف الضحايا والمختطفين والمهجرين.
إن توثيق هذه الجريمة ليس بحثًا في الماضي فقط، بل هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الضحايا والناجين، ورسالة تؤكد ضرورة حماية التنوع الديني والثقافي ومواجهة التطرف.
تبقى ذكرى الثالث من آب/ أغسطس شاهدًا على مأساة إنسانية كبرى، وفي الوقت نفسه تذكيرًا عالميًا بأن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تكون فوق كل الصراعات السياسية والأيديولوجية.
إن توثيق جريمة سنجار هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الضحايا والناجين، ورسالة تؤكد أن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تبقى فوق كل الصراعات السياسية والأيديولوجية.
فليست كل التواريخ مجرد أرقام في صفحات التاريخ؛ فبعض الأيام تتحول إلى ذاكرة جماعية تحمل وجع الضحايا وشهادة الناجين. ويُعد الثالث من آب عام 2014 واحدًا من هذه الأيام، إذ ارتبط في الذاكرة الإيزيدية والعراقية والإنسانية بالمأساة التي تعرض لها مجتمع بأكمله في سنجار على يد تنظيم داعش.