بين الذباب والمبيدات والأطعمة الفاسدة.. معركة غائبة لحماية غذاء المصريين
الاثنين 1 يونيو, 2026بقلم :الدكتور أحمد أبو العلا استشاري أمراض الباطنة
لم تعد قضية سلامة الغذاء مجرد ملف رقابي أو شأن يخص الجهات الصحية وحدها، بل أصبحت قضية أمن قومي صحي تمس حياة ملايين المواطنين يوميًا، خاصة في ظل الانتشار المتزايد للأغذية المعروضة في الشوارع وأمام المدارس والجامعات دون رقابة كافية، وما يصاحب ذلك من ممارسات تهدد صحة المستهلكين وتعرضهم لمخاطر صحية جسيمة قد تبدأ بنزلة معوية عابرة وتنتهي بمضاعفات صحية معقدة تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويكفي أن يتجول أي مواطن أمام عدد من المدارس وقت خروج الطلاب ليرى حجم الظاهرة التي باتت تفرض نفسها على الواقع اليومي؛ عربات وأكشاك تبيع مختلف أنواع المأكولات والمشروبات في ظروف تفتقر إلى أبسط الاشتراطات الصحية، حيث تتعرض الأطعمة للأتربة وعوادم السيارات وأشعة الشمس والحشرات، بينما يقبل عليها الأطفال والشباب باعتبارها وجبات سريعة منخفضة التكلفة دون إدراك لحجم المخاطر الكامنة وراءها.
ولا تتوقف المشكلة عند الباعة الجائلين، بل تمتد إلى بعض المخابز والأفران ومحال بيع الأغذية التي تعرض منتجاتها لساعات طويلة في واجهات مفتوحة أو شبه مفتوحة، وأحيانًا بعد انتهاء مدة صلاحيتها أو دون مراعاة شروط التخزين السليم. كما تنتشر ظاهرة عرض المخبوزات والحلوى والمنتجات الغذائية مكشوفة أمام المارة، لتصبح فريسة سهلة للغبار والميكروبات والحشرات، بما يفقدها قيمتها الغذائية ويحولها إلى مصدر محتمل للأمراض.
والأخطر من ذلك ما نشهده بين الحين والآخر من قيام بعض أصحاب المحال برش المبيدات الحشرية بالقرب من الأغذية أو فوق أماكن عرضها بحجة مكافحة الذباب والحشرات المنتشرة، في ممارسات تفتقر إلى الوعي العلمي والمسؤولية المهنية. فبقايا هذه المواد الكيميائية قد تلتصق بالأطعمة وتنتقل مباشرة إلى جسم الإنسان، مسببة أضرارًا صحية قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تتراكم تدريجيًا داخل الجسم مع تكرار التعرض لها. وتكمن الخطورة الحقيقية في أن تأثيراتها ذات طبيعة تراكمية، حيث قد تسهم مع مرور الوقت في زيادة معدلات الإصابة باضطرابات الجهاز الهضمي وأمراض الكبد والكلى، فضلًا عن تأثيراتها السلبية المحتملة على الجهاز العصبي والجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة الذين يمثلون الفئات الأكثر حساسية لهذه الملوثات. وما يبدو اليوم عرضًا صحيًا بسيطًا قد يتحول غدًا إلى مشكلة مزمنة نتيجة التعرض المستمر لمصادر التلوث الغذائي المختلفة.
ومن خلال عملي كاستشاري لأمراض الباطنة، ألاحظ بصورة مستمرة تزايد أعداد المرضى الذين يعانون من اضطرابات الجهاز الهضمي والتسممات الغذائية والنزلات المعوية الناتجة عن تناول أغذية مجهولة المصدر أو غير مطابقة للاشتراطات الصحية. كما أن استمرار التعرض لهذه الأغذية الملوثة لا يقتصر تأثيره على الأمراض الحادة فقط، بل قد يترك آثارًا تراكمية تمتد إلى العديد من أجهزة الجسم، الأمر الذي يجعل الوقاية والرقابة أكثر أهمية من العلاج نفسه.
ولا يمكن إغفال الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة، فالأغذية غير الآمنة لا تؤدي فقط إلى إصابة الأفراد بالأمراض، وإنما تفرض أعباء إضافية على المنظومة الصحية وترفع تكلفة العلاج والرعاية الطبية، فضلًا عن تأثيرها على الإنتاجية والدراسة وسوق العمل. ومن ثم فإن مكافحة هذه الظاهرة تمثل استثمارًا مباشرًا في صحة المجتمع واقتصاد الدولة في الوقت ذاته.
كما أن المسؤولية لا تقع على الجهات الرقابية وحدها، بل تمتد إلى الأسرة المصرية التي يقع على عاتقها توعية الأبناء بمخاطر شراء الأغذية مجهولة المصدر أو المعروضة في ظروف غير صحية. فالكثير من الأطفال ينجذبون إلى الأطعمة الملونة والمشروبات المصنعة دون معرفة بمكوناتها أو ظروف إعدادها وحفظها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك أكثر حسمًا من الجهات المختصة، من خلال تكثيف الحملات التفتيشية المفاجئة على الأسواق والمخابز ومنافذ بيع الأغذية ومحيط المدارس، مع الإعلان بشفافية عن نتائج تلك الحملات والإجراءات التي يتم اتخاذها بحق المخالفين. كما يجب ألا تقتصر العقوبات على الغرامات المالية التي قد يعتبرها البعض جزءًا من تكلفة المخالفة، بل ينبغي أن تصل إلى الغلق الفوري وسحب التراخيص في الحالات التي يثبت فيها تعمد تعريض صحة المواطنين للخطر.
كما أرى أهمية دراسة منح الأطباء المختصين العاملين في الجهات الرقابية والصحية صفة الضبطية القضائية في نطاق اختصاصاتهم الفنية، بما يمكنهم من تحرير المحاضر واتخاذ الإجراءات القانونية الفورية ضد المخالفات التي تمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين. فوجود طبيب يمتلك الخبرة العلمية والسلطة القانونية في آن واحد من شأنه أن يعزز كفاءة الرقابة ويسرع من ضبط المخالفات قبل تفاقم آثارها.
كذلك فإن إنشاء خط ساخن موحد لتلقي بلاغات المواطنين بشأن الأغذية الفاسدة أو أماكن البيع غير المطابقة للاشتراطات الصحية، مع سرعة التعامل مع هذه البلاغات وإعلان نتائجها للرأي العام، سيمثل خطوة مهمة نحو إشراك المجتمع في حماية صحته وتعزيز ثقافة الرقابة المجتمعية.
غير أن نجاح أي منظومة رقابية لا يعتمد على الأجهزة الحكومية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع المواطن الذي يُعد خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع. فالمواطن الواعي يجب أن يكون له دور إيجابي وفعال من خلال الامتناع عن شراء الأغذية مجهولة المصدر أو المعروضة في ظروف غير صحية، والإبلاغ عن المخالفات التي تهدد الصحة العامة، وعدم التهاون مع أي ممارسات تعرض حياة الآخرين للخطر. فالمشاركة المجتمعية الواعية تمثل إحدى أهم أدوات الرقابة الحديثة، وتسهم في كشف المخالفات والحد من انتشارها، كما ترسل رسالة واضحة إلى كل من يتاجر بصحة المواطنين بأن المجتمع بأكمله أصبح شريكًا في المواجهة.
إن صحة المواطن المصري لا يجب أن تكون محل تجربة أو مغامرة من أجل تحقيق أرباح سريعة. فالبائع الذي يروج غذاءً فاسدًا، وصاحب المخبز الذي يعرض منتجات منتهية الصلاحية، والتاجر الذي يترك الطعام مكشوفًا للحشرات والأتربة، لا يرتكب مجرد مخالفة إدارية، بل يعتدي على حق أصيل من حقوق الإنسان وهو الحق في غذاء آمن وصحي.
إن حماية صحة المصريين ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمواطن. فكما نطالب بتشديد الرقابة وتفعيل القانون، يجب أن نرسخ ثقافة الرفض المجتمعي لكل غذاء غير آمن، لأن التهاون في شراء أو تداول هذه المنتجات يفتح الباب لاستمرار المخالفات ويضاعف من المخاطر الصحية التي قد لا تظهر آثارها اليوم، لكنها تتراكم بصمت لتنعكس على صحة الأفراد والمجتمع في المستقبل.
فالأمم المتقدمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مشروعات وإنجازات، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها من المخاطر اليومية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس أغلى ما يملكه الإنسان: صحته وحياته. وحين يصبح الغذاء الآمن حقًا مكفولًا لكل مواطن، وتتحول الرقابة إلى ثقافة مجتمعية قبل أن تكون إجراءً حكوميًا، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر صحة وأمانًا واستقرارًا.