قبل أن تحاسب ابنك على ما يفعله .. اسأل نفسك :ماذا زرعت أنت بداخله
الثلاثاء 11 أغسطس, 2026بقلم المهندس محمد دياب رئيس اللجنة المركزية للتعليم والبحث العلمي
أبناؤنا اليوم يعيشون زمنًا لم نعشه نحن ..
زمنًا أصبحت فيه الشاشة تدخل عقولهم قبل أن نعرف نحن ماذا يشاهدون ..وأصبحت فيه السوشيال ميديا تنافس الأب والأم في التربية !!
لكن هناك حقيقة أخطر من كل ذلك .. أبناؤنا أمانة من الله ..
ليس السؤال فقط هل وفرنا لهم الأكل والتعليم والملابس والحياة المريحة بل السؤال الذي يجب أن يخيف كل أب وكل أم :
هل أدينا الأمانة التي سيحاسبنا الله عليها؟
هل علمنا أبناءنا مراقبة الله عندما لا يراهم أحد؟
هل جعلنا البيت مكانًا للأمان أم مكانًا للخوف؟
هل علمناهم أن يعودوا إلينا عندما يخطئون أم علمناهم كيف يخفون أخطاءهم عنا؟
.. ابنك قد ينسى عقابك
لكنه لن ينسى أبدًا كيف جعلته يشعر وهو معك !!
التربية ليست صراخًا ..وليست سيطرة ..
وخوفًا ..
التربية أن تبني إنسانًا يعرف الله .. ويعرف الصح من الخطأ ..ويملك من الوعي ما يجعله يختار الصواب حتى عندما لا تكون بجانبه ..
أبناؤنا يتغيرون أمام أعيننا فهل نحن منتبهون؟
نحن لا نعيش نفس الزمن الذي تربينا فيه ..
والأخطر أن كثيرًا من الآباء والأمهات ما زالوا يحاولون تربية أبنائهم بعقلية زمن انتهى بينما أبناؤنا يعيشون في عالم مختلف تمامًا ..عالم فيه الهاتف أقرب إليهم من كثير من الأشخاص ..و فيه السوشيال ميديا تستطيع أن تدخل إلى عقل الطفل وقلبه في دقائق ..وعالم فيه المقارنة أصبحت مستمرة
من شكل الجسم إلى الملابس إلى مستوى المعيشة إلى النجاح إلى عدد المتابعين إلى شكل الحياة التي يعرضها الآخرون أمامهم ..
ثم نتساءل بعد ذلك
لماذا تغير ابني؟
الحقيقة أن السؤال الأصح ليس لماذا تغير ابني ..ولكن :
ماذا حدث في العالم حول ابني وأنا لم أنتبه؟
ابنك اليوم يتلقى رسائل وأفكارًا وقيمًا من أماكن كثيرة جدًا ..وأنت لست المصدر الوحيد الذي يتعلم منه ..وهنا تبدأ مسؤوليتك الحقيقية ..
ليس المطلوب أن تمنع عنه العالم لأنك لن تستطيع..
وليس المطلوب أن تراقب كل دقيقة من حياته ..
لكن المطلوب أن تبني داخله عقلًا يستطيع أن يميز ..وقلبًا يعرف الصح من الغلط .. وضميرًا يخاف الله حتى عندما لا يراه أحد .
وهنا يجب أن نفهم شيئًا مهمًا جدًا :
التربية ليست سيطرة
أن تجعل ابنك يخاف منك لا يعني أنك نجحت ..
أن تجعله يسكت أمامك لا يعني أنه اقتنع ..
أن تجعله يخفي أخطاءه عنك لا يعني أنك حميته ..
أن تجعله يخاف من الاعتراف بخطئه لا يعني أنك ربيته جيدًا ..
ربما أنت فقط علمته كيف يخفي الحقيقة ..وهذا أخطر بكثير من الخطأ نفسه ..لأن الطفل الذي يخاف من والديه قد يخطئ لكنه يخفي ..أما الطفل الذي يثق في والديه فقد يخطئ لكنه يعرف أنه يستطيع العودة إليهما .. وهنا الفرق بين التربية الحقيقية والتربية التي تعتمد على الخوف ..
لا تجعل ابنك يبحث عن الأمان خارج البيت .. ولا تجعل ابنتك تبحث عن كلمة حلوة من شخص غريب لأنها لا تسمعها في بيتها ..
لا تجعل أبناءك يبحثون عن الاهتمام في السوشيال ميديا لأنهم لم يجدوا وقتًا تتحدثون فيه معهم ..لا تجعل الهاتف يصبح صديقهم الوحيد لأنكم كنتم مشغولين طوال الوقت ..
اجلس مع ابنك ..اسأله عن يومه ..اسأله ماذا يخيفه .. اسأله ماذا يتمنى ..
اسأله من هم أصدقاؤه ..اسأله ماذا يشاهد
.. والأهم :
اسمع الإجابة بدون أن تبدأ فورًا في إصدار الأحكام
لأن الطفل الذي يعرف أنك ستصرخ بمجرد أن يتكلم معك سيتعلم الصمت ..والطفل الذي يعرف أنك ستقارنه بغيره سيتعلم الكذب .. والطفل الذي يشعر أنك لا تراه إلا عندما يخطئ سيبحث عن شخص آخر يشعره بقيمته ..
وهنا يأتي دور الأب والأم الحقيقي ..
الحب وحده لا يكفي
والحزم وحده لا يكفي
والدلال وحده لا يكفي
والعقاب وحده لا يكفي
ابنك يحتاج إلى حب وحدود .. يحتاج إلى احتواء ومسؤولية ..يحتاج إلى الحرية مع التوجيه .. يحتاج أن يعرف أن هناك أشياء ممنوعة ..
و يحتاج أيضًا أن يفهم لماذا هي ممنوعة .. لا تربوا أبناءكم لكي يرضوا الناس
.. ربوهم لكي يرضوا الله
علموهم أن النجاح ليس في أن يكونوا أفضل من غيرهم .. بل أن يكونوا أفضل من أنفسهم بالأمس ..علموهم أن المال مهم لكنه ليس كل شيء
وأن الشكل جميل لكنه ليس قيمة الإنسان ..وأن الشهرة ليست نجاحًا .. وأن عدد المتابعين لا يحدد قيمة الشخص .. وأن الإنسان الحقيقي يظهر عندما لا يكون هناك أحد يراقبه .. وهنا يأتي دور الأهل ..
الأب ليس مجرد مصدر للمال
والأم ليست مجرد من تقوم بأعمال البيت .. الاب والأم هما أول مدرسة ..وأول قدوة .. وأول أمان
وأول مكان يتعلم فيه الطفل معنى الحب والاحترام والصدق والمسؤولية .. فإذا أردتم أبناءً صالحين
ابدأ وا بأنفسكم .. إذا أردتم منهم الصلاة فكونوا قدوة لهم .. إذا أردتم منهم الصدق فلا تكذبوا أمامهم
إذا أردتم منهم الاحترام فلا تهينوهم ..إذا أردتم منهم الرحمة فلا تجعلوا القسوة هي لغتكم معهم ..
إذا أردتم منهم أن يسمعوا كلامكم فتعلموا أن تسمعوا كلامهم ..
الأبناء لا يسمعون ما نقوله فقط
الأبناء يراقبون ما نفعله
ويتذكرون ما شعروا به معنا
.. وفي النهاية..
تذكروا أن أبناءكم أمانة من الله ..وأن التربية ليست مهمة نقوم بها فقط لأن المجتمع ينتظر منا ذلك
بل مسؤولية سنُسأل عنها
فلا تجعلوا انشغالكم بالدنيا يجعلكم تخسرون أبناءكم
ولا تجعلوا التكنولوجيا تربيهم بدلًا منكم ..ولا تجعلوا السوشيال ميديا تعلمهم ما كان يجب أن يتعلموه منكم ..اقتربوا منهم
احتووهم ..وجهوا أخطاءهم
ضعوا لهم حدودًا ..لكن لا تكسروا قلوبهم ..
علموهم حب الله قبل الخوف من الناس ..وعلموهم أن باب البيت مفتوح مهما أخطأوا لأننا لا نريد أبناءً يخافون منا ..
نريد أبناءً يخافون الله
ويثقون في أهلهم ويعرفون كيف يواجهون الحياة
ويعودون إلى بيتهم عندما تضيق بهم الدنيا
اخيرا :
اللهم أعنا على تربية أبنائنا تربية ترضيك عنا ..و اجعل أبناءنا قرة عين لنا .. احفظهم من فتن هذا الزمن واجعلنا لهم قدوة صالحة ولا تجعلنا سببًا في كسر قلوبهم أو ضياعهم ..واجعلنا ممن أدوا الأمانة كما ينبغي