هدنة على حافة النار… بين شروطِ طهران وضغوطِ واشنطن وتل أبيب

الأربعاء 25 مارس, 2026

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم تَعُدِ الحروبُ في منطقتنا تُحسَمُ في الميدان فقط، بل باتت تُدارُ في كواليسِ السياسة، حيث تتقدّمُ التسريباتُ أحياناً على الوقائع، وتتحوّلُ الهدناتُ إلى أدواتٍ لإعادة ترتيب التوازنات لا لإنهائها.
في هذا السياق، يبرز الحديثُ عن وقفِ إطلاقِ نارٍ لمدة شهر، وفق آلية يعمل عليها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، كإشارةٍ لا يمكن تجاهلها، حتى لو لم تُترجم بعد إلى إعلانٍ رسمي. فهل نحن أمام بداية مسارٍ سياسي، أم مجرّد استراحةٍ تكتيكية في حربٍ مفتوحة؟
بين منطق الهدنة ومنطق الصفقة لا تنظر إيران إلى وقف النار كهدفٍ بحدّ ذاته، بل كمدخل إلى صفقةٍ أشمل. فهي، في جوهر موقفها، لا تقبل التفاوض تحت الضغط العسكري، وتربط أي تهدئة بثلاثية واضحة: وقف العمليات، رفع العقوبات، والاعتراف بدورها الإقليمي.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة ومعها إسرائيل إلى تحويل أي هدنة إلى منصةٍ لفرض شروطٍ معاكسة: كبح النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا والعراق، وضمان أمن إسرائيل، وإعادة ضبط الملف النووي بما يتجاوز صيغة الاتفاق النووي الإيراني نحو شروطٍ أكثر تشدداً، تشمل أيضاً البرنامج الصاروخي.
هنا تحديداً تتكشّف المفارقة، إيران تريد صفقة اعتراف، بينما يريد خصومها صفقة تقييد.
الهدنة المقترحة...اختبار نيات أم مناورة؟
الحديث عن هدنةٍ لمدة شهر ليس تفصيلاً تقنياً، بل تعبيرٌ عن مرحلة انتقالية. فمثل هذه الهدنة القصيرة تحمل في طيّاتها أكثر من وظيفة...
التقاط الأنفاس ميدانياً بعد تصعيدٍ مكلف
فتح قنوات تفاوض غير مباشرة عبر وسطاء
اختبار صدقية الأطراف قبل الانتقال إلى مراحل أعمق
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أن إدخال أسماء مثل كوشنير المرتبط بـ اتفاقيات أبراهام  يوحي بوجود قنوات خلفية، وربما محاولة لإعادة إنتاج مقاربة تقوم على دمج الأمن بالسياسة والاقتصاد ضمن سلة واحدة.
وعليه، فإن الهدنة، إن تحققت، لن تكون نهاية الحرب، بل إعادة تعريفٍ لها.
ما الذي قد يحدث فعلاً؟
نحن أمام ثلاثة مسارات محتملة..
أولاً: هدنة تكتيكية مؤقتة تُطبّق لشهر، تُستكمل بمفاوضات غير مباشرة، ثم إمّا تُمدَّد أو تنهار سريعاً عند أول اختبار جدي.
ثانياً: مسار تدريجي نحو اتفاق أوسع
تبدأ بوقف النار، وتتدرّج نحو تفاهمات تشمل العقوبات، والملف النووي، وربما ترتيبات إقليمية محدودة.
ثالثاً: مناورة سياسية إعلامية
يُستخدم التسريب كأداة ضغط أو جسّ نبض، من دون نية فعلية للوصول إلى اتفاق في المدى القريب.
يبقى السؤال الأكثر حساسية، أين موقع لبنان في كل ذلك؟
الواقع أن لبنان ليس خارج المعادلة، بل في صلبها. فأي اتفاق أو هدنة سيُقاس، عملياً، بمدى انعكاسه على دور حزب الله، سواء من حيث حضوره العسكري أو موقعه السياسي.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي من أن تتحوّل الهدنة إلى مرحلة إعادة توزيع نفوذ، يكون لبنان أحد أبرز ساحاتها، لا طرفاً مقرِّراً فيها.
ما يجري اليوم ليس سعياً صادقاً لإنهاء الحرب، بل محاولة لإدارتها بشروطٍ جديدة.
الهدنة المحتملة ليست سلاماً، بل مساحة تفاوض تحت سقف النار المؤجَّلة.
وبين شروطِ طهران وضغوطِ واشنطن وتل أبيب، يبقى السؤال مفتوحاً.. هل نحن ببداية تسوية، أم أمام فصلٍ جديد من صراعٍ يُعاد تدويره… كلّ مرةٍ بأدواتٍ أكثر تعقيداً ؟