العفو العام… بين العدالة وفتح صفحة جديدة للبنان

السبت 9 مايو, 2026

بقلم: د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في كلّ مرة يُطرح فيها ملف العفو العام في لبنان، ينقسم اللبنانيون بين مؤيّدٍ يراه فرصةً إنسانية ووطنية، ومعارضٍ يخشى أن يتحوّل إلى ضربةٍ جديدة لهيبة الدولة والقانون. لكن الحقيقة أنّ هذا الملف لم يعد مجرّد نقاش قانوني عابر، بل أصبح قضيةً تمسّ آلاف العائلات التي تعيش منذ سنوات بين انتظار الأحكام، وتأخير المحاكمات، والازدحام داخل السجون، والشعور بأنّ العدالة تُطبّق أحياناً على الضعفاء أكثر ممّا تُطبّق على أصحاب النفوذ.

العفو العام، إذا أُقرّ بطريقةٍ مدروسة وعادلة، قد يفتح فعلاً صفحةً جديدة في لبنان، لأنّ كثيراً من السجناء اليوم ليسوا مجرمين خطرين بالضرورة، بل هناك من تورّطوا في أخطاء، أو دخلوا السجن بسبب ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية، أو بسبب تأخّر القضاء لسنوات طويلة جعل بعض الموقوفين يمضون أعمارهم خلف القضبان قبل صدور الأحكام النهائية بحقّهم.

وفي بلدٍ يعيش انهياراً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق، لا يمكن تجاهل أنّ الفقر والبطالة وغياب الدولة ساهمت في دفع بعض الشباب نحو الانحراف أو الوقوع في أخطاء قاتلة غيّرت حياتهم إلى الأبد. وهنا تبرز أهمية الدولة الحقيقية: هل دورها الانتقام فقط؟ أم منح فرصة ثانية لمن يمكن إصلاحه وإعادته إلى المجتمع؟

لكنّ المشكلة في لبنان أنّ ملف العفو غالباً ما يتحوّل إلى بازار سياسي وطائفي، فتبدأ الحسابات الضيّقة: هذا الفريق يريد الإفراج عن جماعة محسوبين عليه، وذاك يرفض لأنّ المستفيد لا ينتمي إلى بيئته السياسية أو الطائفية. وهكذا تضيع العدالة بين المزايدات، فيما تبقى عائلات السجناء معلّقة بين الأمل والخذلان.

إنّ أيّ عفو عام حقيقي يجب أن يُبنى على معايير وطنية واضحة، لا على المحسوبيات. يجب أن يكون شاملاً وعادلاً، يراعي الحالات الإنسانية، وصغار السن، ومن أمضوا سنوات طويلة في السجون دون محاكمات عادلة وسريعة، ومن ارتكبوا جرائم غير خطيرة تسمح بإعادة دمجهم في المجتمع.

وفي المقابل، لا بدّ من التأكيد أنّ العفو لا يجب أن يتحوّل إلى رسالة خاطئة تُشجّع على الفوضى أو تُشعر الناس بأنّ الجرائم يمكن أن تُمحى بسهولة مع كلّ تسوية سياسية. فهناك فرق بين إعطاء فرصة جديدة لمن يستحق، وبين إسقاط هيبة القانون بالكامل. لأنّ الدولة التي لا تُحاسب تتحوّل إلى غابة، كما أنّ الدولة التي لا تعرف الرحمة تتحوّل إلى سجنٍ كبير لشعبها.

لبنان اليوم يحتاج إلى مصالحة داخلية حقيقية، ليس فقط بين السياسيين، بل بين الدولة والمواطن. والعفو العام قد يكون جزءاً من هذه المصالحة إذا ترافق مع إصلاحٍ قضائي حقيقي، وتسريع للمحاكمات، وتحسين أوضاع السجون، وخطة لإعادة تأهيل السجناء ودمجهم في المجتمع بدل تركهم فريسةً للفقر والتطرّف والانهيار النفسي.

ففتح صفحة جديدة لا يعني نسيان العدالة، بل يعني بناء عدالةٍ أكثر إنسانية، عدالةٍ تُنصف الناس بدل أن تُشعرهم بأنّهم متروكون لمصيرهم. وربّما يكون لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى دولةٍ تعرف كيف توازن بين القانون والرحمة، بين المحاسبة وإعطاء الأمل، لأنّ الأوطان لا تُبنى بالكراهية وحدها، بل بإعطاء الناس فرصة للعودة إلى الحياة..