أين العرب في كل ما يحدث في العالم ؟

السبت 7 فبراير, 2026

بقلم :د. ليلى الهمامى
آخر المستجدّات على الساحة العالمية فضيحة إبستين، فضيحة هزّت أركان النظام العالمي... أقول النظام العالم اعتبارا لأهمية القيادات التي تورّطت في هذه البشاعات؛ قيادات سياسية، لكن ايضا قيادات تكنولوجية، اقتصادية، مالية، وحتى أكاديمية... 
هذا يدفعني للنظر في اتجاه العرب كالعادة، وجهتي الاولى والاخيرة. أجد حالة من الصمت، حالة من الارتباك، مع ورود بعض الأسماء التي تعني قيادات عربية. 
لا تهمّني الفضيحة في حد ذاتها، فتاريخ الانسانية مليء بالفضاعات والفضائح، لكن ما يعنيني في هذا هو أن هذه الفضائح والجرائم الشيطانية في حجمها وفي طبيعتها، جاءت في سياق ادعاء المجتمعات الانسانية بالرفعة والنبل والرقي والحرية والعدالة... 
هذه الفضائح تُكذّب كل ما ادعته الامم "الراقية"   و"المتحضرة" من نبل ومن مثالية ومن شفافية... أمم وإيديولوجيات قدمت الغرب على أنه جمع من المخلوقات الملائكية، تُفضح!!! فتنفضح الطبيعة البشعة الاجرامية لأركان هذه "الحضارة"... 
العرب، بالتوازي، يغطون في نوم عميق، لا أجدهم في دائرة الفعل... 
المواجهات بين الولايات المتحدة الامريكية وايران، مواجهات من خلال وكالات، مواجهات عسكريا مراوحة بين الحرب والسلم، مواجهات مع جملة من الحيل والتحيل والاحتيال الدبلوماسي... العرب في كل هذا يكتفون بإصدار بعض المواقف. 
آخر المستجدات في ذات السياق أردتها آخر هذا الاسبوع؛ رقم صادم، وأبقى على يقين من انه اكبر من أن يكون مجرد رقم: 25% من الشعب العربي يشكو الامية... ايضا أنا على يقين أن الرقم أكثر من هذا بكثير:  25% نسبة الأمية، ولو أضفنا نسبة الفقر، -والفقر والتمية يتزاوجان-، لقلت بأن العقل العربي مشلول، مجتمع مشلول، مجتمع لا يفكر، بصدد استهلاك والتهام صفحات فضائح ابستين... شباب في حالة ضياع مخدرات، هجرة غير نظامية،  هامشيه، بطالة، فقر، جهل... 
كل هذا،،، بعض النخب الانتهازية تسعى الى استثماره. أقول بعض النخب الانتهازية وهي أغلبية داخل النخبة. 
الأغلبية داخل النخبة الانتهازية التهمت القطاع الواسع من النخب العربية على ضيقها. بكل تأكيد ليس هنالك مواقف واضحة، ليس هنالك إدانات صريحة لفضيحة ابستين، لكن وراء الفضيحة هنالك  ربع مجتمع جاهل وهنالك نخبة تريد بناء مسخ ديمقراطي. المسخ الديمقراطي وسط شعب لا يقرأ، شعب لا يطالع، لا يفهم... والحال أن ما ذكرتُه في السابق هو التدرج في مراكمة شروط الديمقراطية، الشغل، الكرامة، مقاومة الفقر، ومقاومة الجهل، أن يكون كل مواطن عربي قادرا على تكلم ثلاث لغات على الأقل، أن يكون قادرا على الابحار على الإنترنت، أن يكون له المستوى الأدنى من المعرفة.  دون ذلك يصبح المشروع الديمقراطي مجرّد حيلة، ومجرّد تلاعب بمصير المجتمعات... مجتمعات كما قلت ربعها موغل ومغرق في الأوهام الايديولوجية، والربع الاخر في مفعول المخدرات، الربع الاخر في حالة الجهل الانتحاري الذي يقود الى الشعوذة وما شابه، وما تبقى يراوح بين الوعي واللا وعي وبين الجهل والمعرفة؛ وهو ذلك الربع الذي تستثمره بعض النخب السياسية في تحشيد نشاطاتها وملء قاعاتها. 
وضع مؤسف بالفعل لأن علينا ان نواجه شروط بناء النظام الديمقراطي؛ استحقاقات حقيقية استحقاقات ملموسة، صعبة بكل تاكيد، صعبة لأنها تطرح قضايا الهوية والمناهج، وقضية التوجيه واشكاليات البنية التحتية التعليمية، والتخريج والتخرج والتربص والتشغيل...، لكنها البوابات الحقيقية نحو المستقبل. 
من يريد الاستثمار في الجهل، من يريد الاستثمار في العنف، من يريد الاستثمار في الفقر، لا يمكن أن يكون إلا دجالا. وبناء ديمقراطية على هكذا واقع متهاوي، لا يمكن أن يكون إلا مجرّد حيلة للإنقضاض على الحكم، دون أن تكون شروط الديمقراطية قائمة بالفعل ودون ان تفضي الى اي شكل من أشكال التقدم الاجتماعي.