لبنان بين نار العدوان ووهم التطبيع.. حربٌ تُقصف… وسلامٌ يُسوَّق

الاثنين 2 فبراير, 2026

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
مرشّح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

في مشهدٍ يكاد يكون غير مسبوق في وقاحته السياسية والأخلاقية، يتعرّض لبنان لقصفٍ يوميٍّ ومتواصل، وتُحلّق المسيّرات المعادية فوق سمائه بلا انقطاع، وتسقط دماء الشهداء في قراه ومناطقه الحدودية، فيما يخرج من يروّج لفكرة «السلام» أو «التطبيع» مع إسرائيل، وكأنّ ما يجري مجرّد سوء تفاهم عابر، أو توتّرٍ يمكن القفز فوقه بالخطاب السياسي.

هل نحن في حرب أم في سلام؟
إنّ السؤال الحقيقي ليس لغويًا ولا إعلاميًا، بل واقعي وسيادي.
فالحرب لا تُقاس بإعلان رسمي، ولا السلام يُقاس بضبط النفس. الحرب تُقاس بالأفعال، والوقائع على الأرض واضحة..قصفٌ متكرر داخل الأراضي اللبنانية.
انتهاكٌ دائم للسيادة الجوية والبرّية.
شهداء وجرحى ودمار ونزوح.

هذه الوقائع وحدها كافية للقول إنّ لبنان ليس في سلام، حتى لو لم تنفلت المواجهة إلى حربٍ شاملة. نحن في حالة حرب فعلية غير مُعلنة، أو صراع عسكري مفتوح منخفض الوتيرة، تُدار فيه المواجهة بالنار والرسائل والضغوط، لا بالبيانات الدبلوماسية.

إنّ الترويج لفكرة أنّ عدم الرد المباشر أو الواسع يعني «لا حرب» هو تضليل متعمّد.
فغياب الرد قد يكون قرارًا تكتيكيًا، أو إدارةً محسوبة للصراع، أو جزءًا من معادلات إقليمية أعقد.

لكنه لا يُلغي حقيقة العدوان، ولا يحوّل القصف إلى سلام، ولا يمنح المعتدي براءة ذمّة سياسية أو أخلاقية.

التطبيع تحت القصف كما يروجه البعض انحدار أخلاقي ووطني
الدعوة إلى التطبيع في ظلّ هذا الواقع لا يمكن فصلها عن معناها الحقيقي.
فأيّ تطبيع يُطرح بينما تُقصف القرى، وتُراقب البيوت بالمسيّرات، وتُدفن الشهداء يوميًا؟

التطبيع هنا لا يعني سلامًا، بل يعني قبولًا بالأمر الواقع بالقوة، تبريرًا ضمنيًا للعدوان، وتحويل السيادة والدم إلى أوراق تفاوض رخيصة.
إنّه سقوط أخلاقي قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

حربما يكون القصف مؤلمًا، لكن الأخطر منه هو تطبيع الوعي مع القصف.
حين يُقنع الناس بأنّ ما يجري «توتر محدود»، أو «تفصيل إقليمي»، أو «ثمن الاستقرار»، يصبح العدوان عادة، وتصبح السيادة شعارًا، ويُدفع المجتمع تدريجيًا إلى القبول بما لم يكن ليقبله يومًا.

هذا الخطاب لا يحمي لبنان من الحرب، بل ينزع عنه حقه في الاعتراض والدفاع السياسي والمعنوي.

بالنهاية لبنان ليس في سلام لأن العدوان قائم.
وليس خارج الحرب لأن الدم يسيل.
والتطبيع في ظل القصف ليس خيارًا واقعيًا ولا وطنيًا، بل هروبٌ من الحقيقة وتخلٍّ عن الكرامة والسيادة.

السلام الحقيقي لا يُفرض بالمسيّرات، ولا يُكتب تحت النار،
ولا يُبنى على أنقاض البيوت ودماء الأبرياء.

وأخطر ما قد نصل إليه،
ليس الحرب بحدّ ذاتها،
بل الاعتياد عليها… وتسميتها سلامًا.