هل يعود لبنان إلى الترويكا السياسية في ظل الشرق الأوسط الجديد؟
الخميس 18 يونيو, 2026بقلم:د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية كبرى، بل كيف سينعكس هذا التحول على بنية السلطة اللبنانية. فكل المؤشرات الإقليمية والدولية تدل على أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم التوازنات بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات، وأن لبنان سيكون جزءاً من هذه العملية شاءت قواه السياسية أم أبت.
لقد أثبتت التجارب أن لبنان لا يعيش بمعزل عن محيطه، وأن أي تفاهم أمريكي – إيراني أو عربي – إقليمي يترك بصماته مباشرة على الداخل اللبناني. ومن هنا تبدو العودة إلى نوع جديد من الترويكا السياسية أمراً أكثر من مجرد احتمال؛ إنها قد تكون الصيغة الأكثر واقعية لإدارة المرحلة المقبلة ومنع الانهيار الكامل للدولة.
لكن الترويكا التي قد تعود لن تكون نسخة عن تلك التي عرفها اللبنانيون بعد اتفاق الطائف. فالظروف تغيرت، واللاعبون تبدلوا، وموازين القوى الداخلية والخارجية لم تعد كما كانت. ما يتشكل اليوم هو شراكة جديدة تقوم على ثلاثة أركان: رئاسة جمهورية قوية تمثل الشرعية الوطنية، ورئاسة حكومة تحظى بثقة المجتمعين العربي والدولي، وشريك شيعي أساسي لا يمكن تجاوز حضوره الشعبي والسياسي في أي معادلة حكم مستقرة.
إن الرهان على إقصاء حزب الله من الحياة السياسية لا يبدو واقعياً، ليس دفاعاً عنه ولا تبنياً لخياراته، بل لأن الوقائع اللبنانية تفرض نفسها على الجميع. فالحزب ما زال يمثل مع حركة أمل الكتلة السياسية الأكبر داخل الشارع الشيعي، وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة محكوم بالفشل قبل أن يبدأ. لذلك فإن ما يُحضَّر للبنان لا يبدو أنه يقوم على منطق الإلغاء، بل على منطق إعادة التموضع وإعادة توزيع الأدوار.
في المقابل، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال حزب الله من موقع القوة العسكرية الإقليمية إلى موقع الشريك السياسي الداخلي ضمن تفاهمات جديدة تتعلق بالأمن والحدود والاستقرار وإعادة الإعمار. وهذا التحول، إذا حصل، لن يكون انتصاراً لطرف وهزيمة لآخر، بل نتيجة مباشرة لمعادلات دولية وإقليمية جديدة تضع الاقتصاد والاستقرار فوق منطق المواجهات المفتوحة.
كما أن القوى الدولية الفاعلة باتت تدرك أن استمرار انهيار لبنان يشكل خطراً على الجميع. فالفوضى لم تعد تخدم أحداً، والانهيار المالي وصل إلى حد يهدد بنسف ما تبقى من مؤسسات الدولة. لذلك تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لإنتاج سلطة قائمة على التسويات الواسعة لا على الصدامات، وعلى الشراكة الإجبارية لا على سياسة كسر الإرادات.
إن الشرق الأوسط الجديد لا يُبنى على الشعارات الأيديولوجية التي حكمت العقود الماضية، بل على المصالح الاقتصادية والممرات التجارية والاستثمارات الكبرى والاستقرار الأمني. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، لن يكون خارج هذه المعادلة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الترويكا ستعود، بل من سيكون جزءاً منها، وما هي الشروط التي ستفرضها القوى الدولية والإقليمية على أركانها. فالأشهر المقبلة قد لا تحمل مجرد تعديل حكومي أو تغيير في موازين القوى، بل قد تحمل ولادة نظام سياسي جديد بوجوه جديدة وأدوار جديدة وعلاقات مختلفة مع العالم.
لبنان يقف اليوم على أبواب مرحلة مفصلية. ومن يعتقد أن ما بعد الحروب سيكون شبيهاً بما قبلها، يكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبته طبقات سياسية اعتادت قراءة الماضي فيما كانت المنطقة تتجه نحو مستقبل مختلف بالكامل.