بقلم أسماء السباعي
مسؤول باللجنة الإعلامية في الجمعية الكويتية للغة العربية
- ليس أخطر على الإنسان من لحظةٍ يصمت فيها صوتُ الضمير ذلك الصوت الخفيّ الذي لا تراه العيون لكنه يوقظ الروح كلما أوشكت أن تنحرف عن جادة الحق.
- فالضمير ليس قانونًا مكتوبًا ولا سلطةً تُمارس القهر بل هو النور الداخلي الذي يمنح الإنسان إنسانيته ويجعله قادرًا على التمييز بين ما ينبغي وما لا ينبغي.
- وحين يغفو الضمير لا يتحول الإنسان إلى كائنٍ شرير بالضرورة لكنه يفقد بالتدريج حساسيته تجاه الألم ويعتاد القسوة كما يعتاد الظلامُ غيابَ الشمس.
- إن أكثر المآسي التي عرفها التاريخ لم تبدأ بضجيج الحروب بل بدأت بصمت الضمائر.
- فحين يعتاد المرء رؤية الظلم دون أن يتحرك وسماع الأنين دون أن يرتجف قلبه يصبح الشرّ أمرًا عاديًا وتغدو القسوة سلوكًا مألوفًا لا يثير الدهشة.
- إن الضمير حين يستيقظ يجعل الإنسان يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون أما حين يغفو فإنه يبرر أخطاءه بمهارة ويصنع لنفسه الأعذار حتى يصدقها.
- ولعلّ أخطر ما في غفوة الضمير أنها لا تحدث فجأة بل تتسلل بهدوءٍ إلى النفس.
- تبدأ بكلمة كذب صغيرة أو موقف صمت عن حق أو تجاهل لدمعة مظلوم ثم تكبر المسافة بين الإنسان وقلبه حتى يصبح غريبًا عن ذاته. عندئذٍ قد يبتسم الإنسان وهو يؤذي ويصفق وهو يهدم ويعيش حياته كأن شيئًا لم يكن لأن الضمير الذي كان يؤلمه قد غفا طويلًا.
- ومع ذلك يبقى في أعماق الإنسان شيءٌ عصيّ على الموت الكامل.
- فقد توقظه لحظة صدق أو دعوة أم أو مشهد طفلٍ منكسر أو آية تهزّ القلب من سباته.
- فالضمير وإن غفا لا يموت بسهولة لأنه جزء من الفطرة التي أودعها الله في الإنسان لذلك يظل القلق يلاحق الظالم مهما بدا قويًا وتبقى الوحشة تسكن قلب من خان مبادئه مهما ازدحم حوله الناس.
- إن المجتمعات لا تُقاس بتقدمها المادي وحده بل بقدرة ضمائر أبنائها على البقاء يقظة.
- فالقانون قد يمنع الجريمة خوفًا من العقاب أما الضمير فيمنعها خوفًا من السقوط الإنساني.
- وما أحوج عالمنا اليوم إلى ضمائر تستيقظ قبل أن تتكاثر القسوة وقبل أن يصبح الإنسان مجرد رقمٍ بلا روح.
- وحينما يغفو الضمير يبهت كل شيء: القيم والرحمة والصدق وحتى معنى الحياة نفسه.
- أما حين يستيقظ فإنه يعيد للإنسان وجهه الحقيقي، ويجعله أكثر قدرة على الحب والعدل والنبل.
- لذلك كانت أعظم معارك الإنسان ليست مع الآخرين بل مع ذلك الصوت الداخلي الذي إن حافظ عليه حيًا بقي إنسانًا مهما قست الحياة.