حين يُصبح العيشُ المشتركُ وهماً… من يُنقذ لبنان؟

الخميس 26 مارس, 2026

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في لبنان، لم يعد الخطرُ محصوراً في صاروخٍ يُطلَق، أو مواجهةٍ تُعلَن، بل في مسارٍ أخطر بكثير… مسارٍ صامت، يتقدّم كل يوم، ويضرب في العمق حيث لا تُقاس الأضرار فوراً، بل المجتمع نفسه. لم تعد المسألة مسألة جبهةٍ عسكرية، بل جبهةٍ نفسية واجتماعية تتشكّل بهدوء، وتعيد رسم ملامح البلد من الداخل.

ما نشهده اليوم في بعض المناطق من خوفٍ وكرهٍ لم يعد تفصيلاً عابراً، ولا حادثاً يمكن احتواؤه سريعاً، بل مؤشّراً على تحوّلٍ عميق في المزاج العام. هناك توتّرٌ يتجاوز السياسة، وخوفٌ يتجاوز الحدث، وانكفاءٌ لم يعد خياراً بل أصبح سلوكاً يومياً. الناس لم تعد تختلف فقط… بل بدأت تخاف من اختلافها.

لكن السؤال الأخطر الذي يفرض نفسه اليوم،  لماذا هذا الخوف؟ وكيف تحوّل إلى كُره؟ وإلى أين يُؤخذ الوطن بهذا المسار؟

الحقيقة التي لا بد من مواجهتها هي أن ما نراه ليس انفجاراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم طويل من القلق غير المُعالَج، والخطاب المتشنّج، وغياب الدولة كمرجعية ضامنة للجميع. فالناس لا تبدأ بالكُره، بل بالخوف. وحين يطول هذا الخوف، ويتغذّى يومياً، ويتحوّل إلى شعور دائم، يصبح الكُره مبرّراً في الوعي، ومقبولاً في السلوك.

لقد دخل لبنان مرحلة التفكيك البطيء. تفكيكٌ لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى قرار سياسي مباشر، بل إلى تآكل تدريجي في الثقة، وإلى تراكمات صغيرة من الإحباط، ومن الخطابات التي تُعيد تعريف الآخر كتهديد لا كشريك. ومع كل يوم يمرّ، تتراجع المساحة المشتركة، وتتقدّم المساحات المغلقة.

ومع هذا التفكك، يتكرّس مشهدٌ أكثر خطورة: الانكفاء داخل الطوائف. حين تغيب الدولة، تحضر الغريزة. وحين يختفي الأمان العام، يبحث الإنسان عن أمانه الخاص، في طائفته، في بيئته، في من يشبهه. لكن ما يبدو حمايةً في البداية، يتحوّل تدريجياً إلى عزلة، ثم إلى قطيعة، ثم إلى واقعٍ منفصل يُبنى على الخوف لا على الثقة.

الأخطر من كل ذلك، ليس ما يحدث في الشارع، بل ما يُزرع في العقول. حين يبدأ الناس بالاقتناع أن العيش المشترك لم يعد ممكناً، نكون قد تجاوزنا الأزمة إلى ما هو أخطر: سقوط الفكرة نفسها التي قام عليها لبنان. هنا، لا تعود المشكلة سياسية أو أمنية، بل وجودية.

إن ما يحصل اليوم في بعض المناطق لا يُنذر فقط بتوتّرٍ عابر، بل بانهيار الرابط غير المكتوب الذي جمع اللبنانيين رغم كل الحروب: القناعة بأنهم قادرون على العيش معاً. هذه القناعة كانت دائماً أقوى من كل الانقسامات، أما اليوم فهي تهتزّ… وربما تتآكل بصمت.

ليست المشكلة في الاختلاف، فلبنان بُني على التنوّع. وليست الكارثة في التعدّد، بل في فقدان القدرة على احتماله. حين يتحوّل الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى كُره، والكُره إلى سلوك يومي، يصبح الانقسام مساراً طبيعياً، لا استثناءً.

الحروب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصات الأولى، بل حين يقتنع الناس أن لا خيار آخر. وما نراه اليوم هو محاولة خطيرة لدفع اللبنانيين إلى هذه القناعة، عبر تراكم الخوف، وتغذية الانقسام، وإضعاف كل ما يجمع.

ومع ذلك، يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح: ليس قدراً على لبنان أن ينقسم، ولا حكماً عليه أن يسقط في حرب أهلية جديدة. لكن في المقابل، ليس هناك ما يمنع ذلك إذا استمر هذا المسار. فهناك من يدفع بهذا الاتجاه، ومن يستفيد منه، لأن تفكك المجتمع هو الطريق الأسهل للسيطرة عليه.

الخطر الحقيقي ليس في ما قد يحدث لاحقاً، بل في ما يُزرع اليوم في النفوس. في تلك الفكرة الصغيرة التي تكبر بصمت “لم نعد قادرين على العيش معاً”. حين تصبح هذه الفكرة مقبولة، يصبح كل شيء بعدها ممكناً… حتى الانهيار الكامل.

فإذا اعتاد اللبناني على الخوف من شريكه، سقط الوطن… قبل أن تسقط أي قذيفة.