حادث كرموز من وجهة نظر علم النفس

الأربعاء 25 مارس, 2026

يمثل الحادث المأساوي الذي وقع في حي كرموز حالة إنسانية معقدة تستدعي النظر إلى العوامل التربوية والاجتماعية والبيئية التي أسهمت في تكوينه حيث أقدمت أم مصابة بالسرطان مع ابنها البالغ من العمر عشرين عاما على حادث مأساوي أودى بحياة خمسة من أبناء الأسرة.
وقد تعرضت الأم لظروف قاسية متتالية شكلت ضغطًا هائلا على قدرتها على التعامل مع الحياة بدءا من تشخيصها بالسرطان ثم هجر الزوج لها وإعلان الطلاق والزواج بأخرى ثم تدهور حالتها الصحية مع بقاء كل المسؤوليات المادية على عاتقها وهذه الظروف المتلاحقة تجاوزت قدرتها على التكيف والتخطيط للمستقبل وجعلتها تفقد الشعور بالأمان والاستقرار وأضعفت لديها القدرة على رؤية بدائل وحلول ممكنة لمشكلاتها كما حجبت عنها رؤية أي أمل في تحسن الأوضاع.
أما الابن الأكبر فقد نشأ في ظل غياب الأب وانفراد الأم بالمسؤولية الكاملة مما جعله يتحمل أدوارا ومسؤوليات تفوق مرحلته العمرية منذ الصغر وخلط لديه بين مفهوم الطاعة والحماية المستقلة فأصبحت علاقته بأمه قائمة على تبعية شديدة أفقدته القدرة على تكوين رأي مستقل أو رفض ما يطلب منه كما أن غياب النموذج الأبوي المتوازن في الأسرة حرمه من فرصة تعلم كيفية اتخاذ القرارات الصعبة بشكل منفصل عن مشاعر الولاء المطلق.
وعلى المستوى الاجتماعي عاشت الأسرة في ظروف من الفقر المدقع جعلت تلبية الاحتياجات الأساسية تحديا يوميا مستمرا مما ولد شعورا دائما بالعجز والقلق من المستقبل  كما أن اجتماع الفقر مع مرض الأم جعلها تشعر بأنها لم تعد قادرة على تقديم الرعاية لأبنائها كما كانت تفعل  بل تحولت في نظر نفسها إلى عبء عليهم والأخطر من ذلك هو غياب شبكة الدعم الاجتماعي بالكامل فلا أقارب يمدون يد العون ولا جيران يشاركون في تخفيف الأعباء ولا مؤسسات خيرية تقدم الدعم الكافي مما جعل الأسرة تعيش في عزلة تامة عن محيطها وأشعر الأم بأنها وحدها في مواجهة العالم.
كما أن هجر الأب للأسرة وسفره خارج البلاد وزواجه بأخرى وطلاقه للأم عبر الهاتف مثل انهيارا كاملا للبنية الأسرية التي تعد المصدر الأساسي للأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي لدى الأبناء وهذا الهجر في أحلك الظروف أرسل رسالة ضمنية بأن الأسرة غير مستحقة للرعاية أو الاهتمام.
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم هذه المأساة كنتيجة لتراكم عوامل متعددة بدأت بوجود تاريخ أسري من الهجر والحرمان مرورا بشخصية الأم التي واجهت ضغوطا فوق طاقتها دون وجود من يساندها وشخصية الابن التي نشأت في بيئة لم تتح له فرصة بناء استقلاليته النفسية ووصولا إلى تراكم ضغوط معيشية تمثلت في الفقر الشديد والمرض وهجر الزوج وفقدان مصدر الدخل وتراكم الديون وكلها تفاقمت في ظل غياب تام للدعم الأسري والمجتمعي والمؤسسي.
ولتجنب تكرار حوادث مماثلة في المستقبل يحتاج الأمر إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي من خلال دعم المؤسسات الخيرية ومراقبة أدائها لضمان وصول المساعدة إلى مستحقيها كما يجب أن يواكب الدعم المادي تقديم برامج إرشاد وتوجيه أسري تساعد الأسر على تنمية مهارات التكيف مع الضغوط وحل المشكلات ومن المهم أيضا تقديم برامج توعوية للتعامل مع الأسر المفككة والأبناء في الظروف الصعبة مع العمل على تغيير النظرة المجتمعية لطلب المساعدة سواء كانت مادية أو اجتماعية أو نفسية كما أن إنشاء خطوط اتصال للإبلاغ عن الأسر التي تعاني أوضاعا صعبة قد يسهم في التدخل المبكر قبل تفاقم المشكلات إلى جانب تقديم دورات تدريبية لتنمية المهارات الحياتية الأساسية مثل إدارة الضغوط والتخطيط للمستقبل والتواصل الفعال داخل الأسرة

أ.د. عاصم عبدالمجيد حجازي  أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة