على حافةِ الفلتان… حين تسبقُ الصواريخُ القرارَ السياسي

السبت 31 يناير, 2026

بقلم :د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
مرشح سابق لرئاسة الجمهورية 

لم يعد التصعيد القائم بين إيران وإسرائيل محصورًا في إطار الرسائل العسكرية المتبادلة، بل دخل مرحلةً أكثر خطورة، تتقدّم فيها المعلومةُ العسكريةُ النوعيّة على التحليل السياسي التقليدي. فالمعطيات المتداولة تتحدّث عن صواريخ فائقة السرعة ذات قدرة تدميرية تقارب طنًّا ونصف الطن، ما يعني أنّ أي استخدامٍ لها لن يكون رمزيًا ولا محدود الأثر، بل ذا تداعيات ميدانية وجيوسياسية واسعة على مجمل المنطقة.

الأخطر في هذه المعادلة لا يكمن فقط في قوّة الصاروخ، بل في آلية التصدّي له. فاعتراض هذا النوع من الصواريخ يتمّ غالبًا فوق أجواء دولٍ مجاورة، ما يجعل لبنان وسوريا والعراق والأردن ساحاتٍ محتملة لتساقط الشظايا أو بقايا الاعتراض، حتى في حال نجاح أنظمة الدفاع. وهنا تتحوّل الجغرافيا من عامل حماية إلى عامل تهديد، وتصبح الدول التي لم تتخذ قرار الحرب عرضةً مباشرةً لنتائجها.

الفلتان المحتمل: من الضربة إلى الفوضى

المخاوف لا تتوقّف عند حدود المواجهة المباشرة. فوفق معطيات متداولة، هناك تنظيمات إرهابية ومجموعات مسلّحة غير منضبطة تترقّب لحظة الضربة الكبرى لاستغلالها، عبر تنفيذ عمليات ضد أهداف مدنية أو عسكرية داخل لبنان وسوريا والعراق. في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطر مضاعفًا: ضربة خارجية من جهة، وانفجار أمني داخلي من جهة أخرى، ما يفتح الباب أمام حالة فلتان شامل يصعب ضبطها، خصوصًا في الدول الهشّة أمنيًا وسياديًا.

سوريا في مرمى الاستهداف المباشر

في سياق هذا التصعيد، تبرز سوريا كأكثر الساحات عرضةً للاستهداف. فالمعطيات تشير إلى احتمال استهداف مباشر لأراضيها بذريعة ضرب خلايا مرتبطة بطهران ما زالت متواجدة هناك. هذا السيناريو، وإن لم يكن جديدًا، قد يأخذ بعدًا أوسع وأكثر حدّة في حال قرّرت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها، مستفيدةً من هشاشة الوضع السيادي السوري وتعدّد القوى المتداخلة على أرضه، بما ينعكس ضغطًا إضافيًا على الدول المجاورة، وفي مقدّمها لبنان.

البوارج: ردعٌ أم تمهيد لمرحلةٍ أخطر؟

يأتي قدوم عددٍ متزايدٍ من البوارج العسكرية إلى المنطقة ليضيف بُعدًا بالغ الحساسية إلى مشهد التصعيد القائم. فالحضور البحري الكثيف لا يندرج فقط في إطار حماية الملاحة أو الردع الوقائي، بل يحمل في طيّاته رسائل سياسية وعسكرية متعدّدة الاتجاهات. تاريخيًا، لم يكن هذا النوع من الانتشار البحري عنصر تهدئة بقدر ما كان أداة ضغط، أو منصّة جاهزة للتدخّل السريع عند أي انزلاق ميداني.

خطورة هذا الحشد تكمن في أنّه يقلّص هامش الخطأ إلى حدّه الأدنى. فوجود بوارج، وصواريخ بحر–برّ، وأنظمة اعتراض متقدّمة في مسرحٍ جغرافي ضيّق ومزدحم، يجعل أي حادثٍ تقني أو تقديرٍ خاطئ شرارةً كافية لتوسيع المواجهة، حتى من دون قرارٍ سياسي مُسبق. وهنا يصبح البحر، كما الجوّ والبرّ، جزءًا من معادلة الفلتان لا عنصر ضبط.

هل نحن أمام حرب شاملة؟

رغم بلوغ التصعيد بين طهران وتل أبيب مستويات غير مسبوقة، لا تزال الحرب الشاملة خيارًا مكلفًا تسعى الأطراف إلى تجنّبه. غير أنّ تراكم هذه العناصر مجتمعة — صواريخ مدمّرة، اعتراض فوق دول مأهولة، تنظيمات تنتظر لحظة الفوضى، ساحات رخوة جاهزة للاشتعال، وحضور بحري كثيف — يجعل الانفلات في المنطقة احتمالًا واقعيًا، لا مجرّد فرضية نظرية.

الخلاصة: لبنان على خطّ النار

ما يتحضّر للمنطقة أكبر من ضربة، وأخطر من ردٍّ محدود. نحن أمام مرحلة دقيقة قد تنزلق فيها المواجهة إلى فوضى واسعة، لا بقرارٍ مركزي، بل بخطأٍ تقني، أو مغامرةٍ ميدانية، أو تحرّكٍ غير محسوب من أطرافٍ خارجة عن السيطرة.

وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان على خطّ النار المباشر، من دون قرار حرب، ومن دون قدرة فعلية على التحكّم بتداعيات التصعيد من حوله. سماؤه مفتوحة، حدوده رخوة، وأرضه مهدّدة بأن تكون ساحة عبور أو ساحة ارتداد لنيران لا ناقة له فيها ولا جمل. وفي مثل هذه المعادلات، تدفع الدول الضعيفة دائمًا الثمن الأعلى، فيما تُدار الصراعات الكبرى فوق رؤوس شعوبها.

يبقى السؤال الأكثر خطورة اليوم:
هل تمتلك الدولة اللبنانية ترف الانتظار، أم أنّ الصواريخ المتطايرة في المنطقة ستفرض عليها واقعًا أمنيًا وسياسيًا يتجاوز قدرتها على الاحتمال؟