«شهادة حق».. جابر دسوقي.. سنوات من العمل لا تختصرها رواية أحادية
الاثنين 12 أكتوبر, 2026في تقييم مسيرة أي مسؤول، تظل الحقائق الكاملة هي الفيصل، ولا يمكن اختزال سنوات طويلة من العمل في واقعة واحدة، قبل الوقوف على تفاصيلها والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
المهندس جابر دسوقي.. اسم ارتبط بمرحلة مهمة من تطوير قطاع الكهرباء في مصر.
فمنذ توليه رئاسة الشركة القابضة لكهرباء مصر عام 2012، شهد القطاع محطات فارقة، كان من أبرزها مواجهة أزمة انقطاعات الكهرباء وتخفيف الأحمال عام 2014، والتوسع في قدرات إنتاج الطاقة، وتنفيذ محطات سيمنز العملاقة في بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية، إلى جانب تطوير الشبكة القومية وتعزيز قدراتها لاستيعاب التوسعات الجديدة.
وامتدت جهود التطوير إلى مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، والتوسع في استخدام العدادات مسبقة الدفع والذكية، وتحديث منظومة إدارة بيانات المشتركين؛ إذ أعلنت الشركة القابضة الانتهاء من الربط المكاني لنحو 32.9 مليون مشترك على الخرائط الموحدة، في خطوة تدعم تطوير إدارة الشبكات وتحسين الخدمات.
وهذه الإنجازات لم تكن مجرد مشروعات ومحطات وشبكات، بل اعتمدت في الأساس على مهندسين وفنيين وعمال يمتلكون خبرات متراكمة، يمثل الحفاظ عليها ضرورة استراتيجية لقطاع يرتبط مباشرة بأمن مصر القومي واستقرار خدماتها الأساسية.
ومن هنا جاء توجه المهندس جابر دسوقي نحو زيادة الحوافز للعاملين بشركات الإنتاج والتوزيع، انطلاقًا من حرصه على توفير حياة كريمة للعاملين، وتقديرًا لطبيعة عملهم ومسؤولياتهم في قطاع يعمل على مدار الساعة، ولا يحتمل تراجع كفاءته أو فقدان خبراته الفنية المتراكمة.
فالمهندسون والفنيون والعاملون بقطاع الكهرباء يتحملون مسؤولية استثنائية في ضمان استمرار التغذية الكهربائية ليلًا ونهارًا، ويواصل كثيرون منهم العمل خلال الإجازات الرسمية والأعياد، وفي أوقات الطوارئ والظروف الاستثنائية، لضمان استقرار الشبكة وعدم انقطاع الخدمة عن المواطنين والمنشآت الحيوية، وهو ما يجعل تقدير جهود هؤلاء العاملين وتحسين أوضاعهم المادية ضرورة للحفاظ على استقرار القطاع.
ولم يكن التوجه نحو زيادة الحوافز مجرد مسألة مالية، بل ارتبط أيضًا بأهمية الحفاظ على الكفاءات البشرية، في ظل الفرص المتاحة أمام المهندسين والفنيين المصريين للعمل بالخارج، وما يفرضه ذلك من تحديات في الاحتفاظ بالخبرات التي استثمرت الدولة سنوات في إعدادها وتأهيلها. فدعم العاملين وتحسين أوضاعهم المادية يمثلان أحد المسارات المهمة للحفاظ على استقرار القطاع وقدرته على أداء مهامه بكفاءة.
وبحسب الرواية المطروحة بشأن ملابسات *ملف الحوافز*، كان التوجه نحو وضع ضوابط تحقق العدالة بين العاملين بشركات الإنتاج والتوزيع، مع استكمال الإجراءات اللازمة قبل تعميمها. ومن ثم، فإن تقييم ما جرى يتطلب الوقوف على المذكرات الرسمية ومحاضر الاجتماعات والمكاتبات وتسلسل التعليمات والقرارات، بما يتيح تحديد المسؤوليات بدقة
إن مراجعة قرار إداري لا تبرر تجاهل سياقه أو اختزال سنوات من العمل في واقعة واحدة. والأهم أن يظل العاملون وحقوقهم واستقرار القطاع في صدارة أي معالجة لهذا الملف.
ويبقى السؤال: هل كانت واقعة الحوافز هي السبب الحقيقي وراء الإطاحة بالمهندس جابر دسوقي، أم جرى استغلال ملابساتها وتوصيل رسائل خاطئة لأصحاب القرار لتبرير قرار كانت وراءه أسباب أخرى؟
سؤال مشروع لا تحسمه الروايات المتداولة، وإنما تجيب عنه الوقائع وتسلسل القرارات.
وختامًا، لسنا ضد التغيير، بل نطالب به دائمًا كلما كان سبيلًا للتطوير والتجديد والارتقاء بالأداء. لكن حين يتعلق الأمر بقيادات لم تدخر جهدًا في خدمة قطاع الكهرباء وتطويره والعمل على تحسين أوضاع العاملين به دون تفرقة، فإن الإنصاف يقتضي أن نُقدّر ما قدمته، ونقول كلمة شكر في حقها، ونرفع لها القبعة تقديرًا لسنوات العطاء والعمل.
فالتغيير حق، لكن الاعتراف بالجهد والفضل حق أيضًا. ولا ينبغي أن يكون تغيير المواقع مبررًا لتجاهل الإنجازات أو البحث عن ذرائع للنيل من تاريخ مهني مشرف وطمس ما تحقق من جهود.